علي الرازي المذبوح رحمه الله، وهو أستاذ أبي تراب النخشبي (58) وهناك فريق من العارفين المجاهدين لم يذكر لنا المؤرخون أسماءهم، وإنما نقلوا إلينا طرفًا من أخبارهم في الزهد والجهاد. مثل على ذلك ماروى ابن عساكر عن أبي القاسم الجوعي (ت 248 هـ) قال: رأيتُ في الطواف رجلًا لا يزيد في دعائه: إلهي قضيتُ حوائج الكل ولم تقضِ حاجتي فقلت ماحاجتك؟! قال: أحدثك: اعلم أنا كنا سبعة أنفس، خرجنا إلى الغزاة، فأسرنا الروم، ومضوا بنا لنقتل، فرأيت سبعة أبواب فتحت في السماء، وعلى كل باب جارية حسناء من الحور العين، فضربت أعناق ستة منا، فاستوهبني بعض رجالهم، فقالت الجارية: أي شيء فاتك يامحروم، وأغلق الباب، فأنا يا أخي متحسر على مافاتني. (59) .
وروى أبو القاسم القشيري (ت 465هـ) أن فارسًا صوفيًا استطاع في بعض الغزاة قتل أحد شجعان عسكر الروم، بعدما قتل هذا الرومي ثلاثة من الفرسان المسلمين. (60) .
وفي الختام من المناسب أن نذكر مبادئ الصوفية في الجهاد، كما لخصها لنا الإمام الشعراني رحمه الله (ت 937هـ) .
-أخذ علينا العهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلنا ثغرًا من ثغور المجاهدين أن ننوي المرابطة مدة إقامتنا ولو لم يكن هناك عدو، لاحتمال أن يحدث عدو.
-أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل ربنا أن نموت شهداء في سبيل الله، لا على فراشنا، فإن لم يحصل لنا مباشرة ذلك، حصل لنا النية الصالحة وحصل الأجر كاملًا.
-أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقسم لنا جهاد، ألا ننفر من الأمور التي تلحقنا بالشهداء في الثواب الأخروي. (61) .
وأخيرًا أرجو أن أكون في هذا العرض السريع، قد أزحت عن وجه من وجوه تراثنا المشرق، ماعلق به من فساد الدهر، وماتراكم عليه من غبار الزمن.