ومن مشاهيرهم حاتم الأصم رحمه الله (ت 237 هـ) كان يقال له لقمان هذه الأمة. ومما حدث به حاتم عن نفسه، قال: لقينا الترك، ورماني أحدهم بوهق [حبل] فأقلبني عن فرسي، ونزل عن دابته فقعد على صدري، وأخذ بلحيتي هذه الوافرة، وأخرج من خفه سكينًا ليذبحني بها، فرماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقط عني، فأخذت السكين من يديه فذبحته (40) ، وتوفي حاتم وهو مرابط على جبل فوق واشَجرْد. (41) .
ومنهم عسكر بن حصين أبو تراب النخشبي -رحمه الله- (ت 245هـ) من كبار مشايخ القوم المذكورين بالعلم والفتوة والتوكل، وعن جهاده يخبرنا ابن عساكر أن موطن أبي تراب الأصلي خراسان، إلا أنه خرج منها يريد عبدان والثغر (42) . من كلامه: العارف لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء.
* ومنهم السري السقطي -رحمه الله- (ت 253 هـ) الذي ينتمي إليه أكثر مشايخ الصوفية، حكى عنه المؤرخون بعض المجاهدات مارسها أثناء نزوله في أرض الروم (43) ، ويتجلى رأيه في الجهاد حين فسر لأهل الثغر الآية الكريمة:"اصبروا وصابروا ورابطوا"فقال: صابروا عند القتال بالثبات والاستقامة.
قال الحسن البزار: سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فأثنى عليه (44) . من كلامه من صفات الصوفي أن لا يتكلم بباطن علم، ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة.
ومنهم أبو سليمان الداراني -رحمه الله- (ت 205هـ) العارف المشهور، وهو ممن كان يرتاد الثغور (45) . وتلميذه أحمد بن أبي الحواري رحمه الله، ريحانة الشام كما كان يسميه الجنيد. وقد شوهد مرابطًا في ثغر انطرسوس يجاهد في سبيل الله (46) . وتقدم قوله: في الغزو والرباط نعم المستراح.