ومع ذلك فقد قوّم الرازي أخطاء جالينوس، ووجه له النقد كلما كان ذلك ضروريًا، لأنه لايقبل أن يأخذ الأفكار باعتبار أنها من المسلمات، بل يعتبر (العقل) الحكم الوحيد بين أصحاب الأفكار.
وكان الرازي يؤمن بقوانين التطور والتقدم، لذلك اعتبر أنه من الطبيعي أن يتفوق التلميذ النابه على أساتذته، وأن تأتي أفكاره متقدمة على أفكارهم متجاوزة إياها. ولهذا فإن الرازي لم يكن يتهيب من أن يتصرف باعتباره في وضع يسمح له بامتلاك معرفة أكثر مما امتلكه (السلف الصالح) ، ولم يكن يجد أية غضاضة في أن يأتي الوقت الذي يبزه فيه تلامذته، والذي يتفوق عليه فيه (الخلف) فالأجيال القادمة يجب أن تكتشف ماكان مجهولًا من الأقدمين وأن تعرف مالم يعرفوه.
وقد كتب الرازي كتابًا بعنوا ن (في الشكوك على فاضل الأطباء جالينوس) .
ونجد صدى هذه الأفكار عند ابن النفيس في مقدمة كتابه (شرح تشريح القانون) (51) ، حيث يقدم للقارئ كيف أنه يعتبر آراء جالينوس وتعاليم ابن سينا غير صحيحة وكيف يسمح لنفسه بأن يصححها.
ولعل تقدير الرازي لجالينوس يبتدئ أيضًا في أعماله التي قام بها لإعادة إخراج بعض كتب جالينوس إخراجًا جديدًا مختصرًا بقصد تبسيطها وتسهيل فهمها من قبل طلبة الطب، وكان حنين بن اسحق وقسطًا بن لوقا قد قاما بعمل مشابه في تبسيط كتب ابقراط وجالينوس.
وأهم هذه الأعمال هي:
1-تلخيص كتاب النبض الكبير لجالينوس (اختصار) . (52) .
2-تلخيص كتاب الأعضاء الآلمة لجالينوس. (53) .
3-اختصار كتاب حيلة البرء لجالينوس. (تلخيص) . (54) .
4-تلخيص كتاب العلل والأعراض. لجالينوس. (55) .
ومن الطريف أن نلاحظ أن هذه الكتب جميعها كانت قد تعرضت لإعادة إخراجها من قبل ثابت بن قره. وتحمل معظمها أسماء (جوامع كتاب.... لجالينوس) . كما أن أبا الفرج بن الطبيب قام فيما بعد بإخراجها تحت اسم (ثمار كتاب.... لجالينوس) .