وفي الواقع إن تغييب مثل هذا المعجم الموسوعي طيلة هذه العقود لا يمكن فهمه إلا بطبيعة النظام السائد وسياسة النظام في تلك السنوات بالذات (نهاية الستينات وطيلة السبعينات) . فطبيعة النظام الشمولي السابق في ألبانيا (1945- 1991) كانت تسمح في أحسن الأحوال بـ"تغييب"المثقف وهو على قيد الحياة وذلك بعدم السماح له بالنشر في الصحف والمجلات أو بنشر مؤلفاته (12) . ومن ناحية أخرى فقد أدت سياسة النظام بعد"الثورة الثقافية"إلى حد"إلغاء الدين"في سنة 1967 والعمل على"تغييب"الدين تمامًا من الكتب ومن الوعي. ولذلك لم يكن النظام ينظر بارتياح حينئذ إلى المرحوم دزداري وأمثاله من المهتمين بالعلاقات الثقافية- التاريخية مع الشرق/ الإسلام، وإلى موضوع"الشرقيات"في اللغة الألبانية بالتحديد، فقد كانت معظم المفردات العربية تتعلق بالثقافة الشرقية والإسلامية، وهذا ما كان يمكن أن يحفظ هذه المفاهيم في أذهان الناس، ولذلك تمّ التوجيه بالتقليل قدر الإمكان من هذه المفردات في المعاجم اللغوية التي وضعت ونشرت في تلك السنوات كـ"معجم اللغة الألبانية الحالية"وغيره (13) .
وفي تلك الظروف الصعبة جاء التكريم للمستشرق دزداري، الذي كان يعاني من إحباط شديد، من الخارج حين وُجّهت له الكوليج دو فرانس دعوة للمشاركة في المؤتمر الدولي التاسع والعشرين للمستشرقين في باريس خلال تموز 1972. إلا أن الموت خطفه في أيار 1972 وحرمه من المشاركة في مثل هذا المؤتمر الدولي بالموضوع الأثير إلى روحه- المفردات الشرقية في اللغة الألبانية، وعلى كل حال إن التكريم الوحيد الممكن للمستشرق دزداري، الذي قضى جل حياته يبحث في هذا المجال، إنما يكمن في إصدار هذا المعجم الموسوعي الذي طال انتظاره (14) .
الهوامش