ويقول الباقلاني عن البدء بحروف (ألم) :"لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعًا، واللام متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة، فنبّه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكل منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين ويشبه أن يكون التصنيف وقع في هذه الحروف دون الألف، لأن الألف قد تلغى، وقد تقع الهمزة وهي موقعًا واحدًا" (28)
إلى غير ذلك من النماذج ذات الصلة بالميدان الصوتي والتي يجدها الدارس في هذا المصدر القيّم.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى"مفتاح العلوم"للسكاكي الذي يعد مصدرًا بلاغيًا ولكنه لم يغفل الجانب الصوتي، إذ بدأ به كتابه، فتعرض إلى مخارج الحروف وصفاتها، ومما يثير الإعجاب أنه رسم جهاز النطق ووضع ضمنه مخرج كل حرف، على الرغم من أنه لم تكن لديه الأجهزة العلمية التي يستعين بها لرسمه.
وهكذا حوت تلك المصادر البلاغية وإعجاز القرآن مجالًا خصبًا للبحوث الصوتية، يمكن للدارس الإفادة منها لفهم كثير من أسرار اللغة العربية.
علم القراءات والأداء القرآني:
تعد مصنفات التجويد من أهم مصادر التراث الصوتي، بل منابعه الأولى التي أدت دورًا مهمًا في الحفاظ على النطق السليم لأصوات اللغة العربية.
فقد كان علماء القراءات من أحرص القوم على تناول المباحث الصوتية في مؤلفاتهم التي ضمت كثيرًا من الخصائص والمصطلحات الصوتية مثل الإشمام والإشباع والاختلاس والمد، والتفخيم والترقيق ونحوها، كما وضعوا رموزًا كتابية تمثلها (29)
وجمع هذا التناول للمادة الصوتية بين النظري والتطبيق"فعرض لمخارج الحروف وصفاتها وتقسيماتها وفق ذلك، والملامح الأدائية لها في السياقات المختلفة والتجاورات المتنوعة" (30)