وفي أيام بني بويه، ظهر أفاضل العلماء وفحول الشعراء والكتاب ومهرة الفقهاء وفوقة الحكماء والفلاسفة والأطباء واستعاد الاعتزال قوته ونشاطه واتسع وشاع، وكان ملوك بني بويه ووزراؤهم وأعيان دولتهم الآخرون يميلون إلى العلوم ويرغبون في الحكمة ويعملون على نشر المعارف وقد ذكرنا من الملوك عضد الدولة صاحب دار الكتب العظيمة التي وصفها المقدسي البشاري وأومأنا إليها آنفًا وما عسى الواصف أن يصف من الثقافة العقلية في دولة من وزرائها أبو الفضل بن العميد وابنه أبو الفتح بن العميد والصاحب بن عباد وسابور بن أردشير مؤسس (دار العلم) بالكرج وأبو منصور بهرام بن مافنه مؤسس دار الكتب بفيروز آباد وخازن من خزان دور كتبها أبو علي أحمد بن محمد مسكويه (24) ، وأمير من أتباعها شمس المعالي قابوس بن وشمكير الذي أراد أن يستخلص أبا الريحان البيروني لنفسه ويرتبطه في داره على أن تكون له الإمرة المطاعة في جميع ما يحويه ملكه ويشتمل عليه ملحه اعترافًا منه بجلالة العلم، فلم يوفق (25) .
وفي أيام البويهيين ألفت أمهات الكتب في العلوم والفنون. وتتمثل حرية الأقلام الصادرة عن الحرية الفكرية في مثل كتاب"الشافي"، للشريف المرتضى و"المغني"، لقاضي القضاة في الدولة البويهية أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد الأسد آبادي الشافعي المتوفى بالري سنة 415 وقد عاصر ابن سينا وتتمثل تلكم الحرية في أن هذا القاضي الكبير كان شافعيًا في الفروع معتزليًا في الأصول (26) .
ولا نرى حاجة إلى ذكر كتب الباقلاني والشيخ المفيد وأبي حيان التوحيدي ومسكويه المقدم ذكره والماوردي الشافعي أقضى قضاة الدولة العباسية فكلها تمثل الحرية الفكرية.