وفي عصر النهضة الأوربية ظهرت طبقة من العلماء الباحثين، عرفوا باسم المستشرقين orientalistes، وكان هدفهم دراسة علوم الامم الشرقية وحضاراتها، لمعرفة مدى تأثيرها في الحضارة العالمية بصورة عامة، وحضارة أوربا بصورة خاصة . وكان من بينهم المتزمت الحاقد، الناكر لفضل العلماء العرب والمسلمين، كما كان منهم العالم المنصف والباحث المتعمق . ويعد المستشرق البلجيكي جورج سارتون من ألمع الباحثين عن تاريخ العلوم . نال شهادة الدكتوراه في علم التاريخ عام 1911 م من مدينة Gand ببلجيكا.حاضر في عدّة جامعات في أوربا، ثم انتقل الى شمال أفريقيا، وزار مصر ولبنان . أمضى عامين دراسيين في الجامعة الامريكية ببيروت، منكبًا على دراسة اللغة العربية . وفي عام 1915 هاجر الى الولايات المتحدة حيث استقر، وتوفي فيها عام 1953 م. أراد سارتون أن ينهل العلوم القديمة من منابعها الأصلية، فقام بزيارة عدد كبير من المكتبات والمتاحف العالمية، حيث اطلع على أقدم المخطوطات والأوابد المحفوظة فيها . وساعده على فهم مختلف علوم الشعوب العريقة بحضارتها إجادته لبعض اللغات القديمة، وخاصة اليونانية واللاتينية، وإلمامه ببعض اللغات الشرقية، وخاصة العربية والعبرية والسنسكريتية والصينية، بالإضافة آلي معرفة تامة للفرنسية والإنكليزية والألمانية .
قام سارتون بوضع مجموعة من المؤلفات التاريخية، تتّبع فيها تطور العلوم، منذ ظهور الحضارة الإنسانية حتى عصره . وأوضح فيها كيف انتقل العقل البشري من التفكير الأسطوري، الذي كان يعتمد على الخيال والاوهام، والسحر والشعوذة، الى مرحلة التفكير الموضوعي، المبني على التجربة والقياس والمحاكمة العقلية .