ومن يبعث في أمته الحياة، ويوقظها على الشعور بآلام الاستبداد، هو الإنسان الذي يجهد في ترقية معارفه، بالتلقي والمطالعة، وبإحراز علم يكسبه في قومه موقعًا محترمًا، ويحافظ على آداب قومه وعاداتهم، محتفظًا بوقاره، متجنبًا مصاحبة الحكّام، وملتزمًا بحسن الأخلاق، يحب وطنه، ويساعد الضعفاء، ويغار على الدين (8) . ... بإهمالهِ إثمٌ على كل مؤمن
فلابد أن تبدأ مقاومة الاستبداد بتعميم الوعي، الذي بوساطته يمكن التفريق بين الخير لإلجاء الحاكم إليه، وبين الشر لردع الحاكم عنه، لأن الأمة إنما جاءت بالحاكم ليخدمها لا ليستخدمها، وهي لا تستطيع معرفة ذلك إلا إذا انتشر فيها العلم الذي يقضي على الخوف المزروع في نفوس الرعية (9) . وذلك لأن معرفة حقيقة ضعف المستبد يزيل خوف الناس منه، إذ يرونه عاجزًا لا حول له ولا قوة إلا بجهلهم وانصياعهم. (( فإذا ارتفع الجهل وتنوّر العقل زال الخوف ) ) (10) وبدأ الناس في معرفة مكامن مصالحهم.
فالوعي هو أوّل خطوة على طريق إزالة الاستبداد، فإذا عمّت المعرفة، (( عند ذاك لابد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال ) )لأن انتشار العلم يكسر قيود الأسر، ويلجم المستبدين (( وكم أجبرت الأمم بترقيها المستبدَّ اللئيم على الترقي معها والانقلاب ) )فيتحول من منتقم حاقد إلى رئيس عادل يخاف الحساب.