والأب في البداية- طينيًا أو إلهيًا أو روحيًا- تقابله النار في النهاية فهي رمز للأب والإله، والنار والماء من أعظم الرموز الكلية، ولهما قدرات إنتاج الحياة وتدميرها معًا (10) . ففي الجانب التدميري نرى ثورة (النار= الأولياء) تنوي هدم بغداد، ونرى ثورة (الماء- الفرات أو دجلة) تفيض لإغراقها.
الجنيد الناري يمارس سلطته لتهدئة الأولياء، والأخت المائية تمارس سلطتها لإعادة المياه إلى مجرى النهر، وذلك كله بتسامح الابن التموزي الذي يناصر ازدهار الحياة، ويقدم نفسه قربانًا (11) .
تأتي الأخت ثائرة سافرة عن وجهها إلى ساحة الإعدام، والسفور الذي يأخذ معنى الإغراء الجنسي وإنتاج الحياة، ينقلب في المعركة إلى معنى التحريض وإثارة النخوة في نفوس الرجال من أجل مزيد من الفتك والتدمير، والأخت في مشهد الإعدام تقوم بالدور الثاني، إنه سفور يتحدى الرجال لتذكيرهم بأصلهم الذي يجري تزييفه بالقمع والتجهيل، وحين يطلب منها أخوها أن تستر وجهها أمام الرجال، تقول:"أين الرجال.. لو كانوا رجالًا ما أنكروا حال الرجال" (12) .
وبهذه العبارة ندخل مستوى آخر للتحليل:
إن السيرة الشعبية هذه تكتب نسخها وتروى في أجواء الاستبداد العثماني، والسيرة الشعبية عمومًا إنما تصور زمن كتابتها وروايتها، وإن كانت تستخدم أشخاصًا ووقائع من الماضي (13) ، فماذا تود أن تقول هذه السيرة عن عصرها؟ أو ماذا يمكن أن نقرأ في هذا الذي سميناه حلمًا أنتجه الوعي الشعبي (14) .
إن السيرة بما تخلق من تعاطف مع شخصية الحلاج وتسويغ لكلامه وسلوكه الغريبين إنما تشكو واقعًا جامدًا ومقولبًا، وهي إن لم تكن نشدانًا للمدنية والتطوير فإنها بكل تأكيد نزوع واضح للحرية والكرامة الإنسانيتين، إنها مطالبة صريحة بتقدير أحوال الرجال. والموقف الذي جئنا على ذكره في المناظرة أمام الخليفة هو تأكيد على مطلب الحرية عبر إظهار الفروق الفردية، وهو في الآن ذاته دعوة لتقدير أحوال الرجال.