1ً- أسلوب القسم: والقسم، كما يقال في علم المعاني، إنشاء غير طلبي لا يستدعي مطلوبًا، وقد استخدم هذا الأسلوب في النغم الأول من النص. ففي قوله تعالى:"والضحى. والليل إذا سجى"المقسِم هو الله سبحانه وتعالى فهو الأنا المتحدث في لحظة إبداع النص. وابتداء النص بهذا القسم الإلهي هدفه تعظيم المقسَم به ولفت الانتباه إلى إيحاءاته.. ودفع الشك عن نفس المخاطب، الرسول الكريم، الذي تمثله كاف الخطاب في"ربُّك"بلغة حازمة (19) . المقسَم به- كما يقول ابن قيم الجوزية (20) -"زمنان متضادان هما النهار والليل، لأنهما آيتان تدلان على ربوبية الله وحكمته ورحمته بالخلق". وقد ذكرنا في تحليل الدلالات أن هذين الزمنين يكونان وحدة زمنية هي اليوم تتكرر في دورة كونية حتى آخر الحياة على الأرض، فكأن القسم بهما إنما هو قسم بالحياة الدالة على القدرة الإلهية، وتنبهنا إلى أهمية تكرار"الضحى"في العنوان وفي مطلع السورة، فهو مجاز أُريد به النهار، وفيه يتلألأ نور إن هو إلا رمز للهداية التي تنشر ظلالها على النص بأكمله، والنهار بسبب تضاده مع الليل الساجي الذي يحيط بالإنسان، ويتيح له خلوة مع الذات تثير تأمله وكوا من نفسه وتوفر له راحة الجسد يأخذ سمات مضادة: التوجه إلى العمل، والتعب الناجم عنه.. بل تنبهنا إلى أن هذا النور على صلة وثيقة بالآية الثالثة"ما ودعك ربك وما قلى"إذا ما راعيناها غدا رمزًا لانبثاق الوحي مجددًا بعد احتباسه الذي يرمز إليه الليل.. وإذا كان هذا الاستكشاف التأملي متعة للمتلقي ترتبط بوسائل التعبير، فكذلك شأنها مع وسائل التعبير عن المقسَم عليه، وهي:
أولًا: الإيحاء بمواصلة الوحي واستمرارية الحب، فقد عبر عنهما بأسلوب النفي الذي فرضته واقعة الفرية ممثلة بقول المشركين:"إن محمدًا ودعه ربه وقلاه"وذلك لتكذيبهم وتيئيسهم من إمكانية تحقق ما يرغبون فيه، بل لمواساة الرسول (ص) ، وتبديد ما عرا نفسه من قلق..