فهرس الكتاب

الصفحة 14690 من 23694

ولتدعيم هذا التأكيد يعود بنا النص إلى وقائع جرت في نشأة الرسول: فقد كان يتيمًا منكسر الخاطر يعاني آلام اليتم ومخاوفه فآواه الله في بيت جده عبد المطلب ثم في بيت عمه أبي طالب (12) . وكان ضالًا أي حائرًا بين العقائد المنتشرة لعهده وغافلًا عما يراد به من نبوة لا يدري ما الإسلام وما شرائعه فحرره الله من الحيرة وابتعثه نبيًا وأرشده إلى الإسلام. وكان عائلًا أي فقيرًا فأغناه الله بأن بث في نفسه القناعة بما قسم له من رزق في التجارة (13) . وإذًا لا يليق به أن يشك لحظة في صدق ما وعده به الله تعالى. ويأتي الاستفهام التقريري في قوله:"ألم يجدك يتيمًا فآوى"بما فيه من تنغيم وإثارة للمشاعر لتعزيز هذا الإيمان في قلب الرسول الكريم، ولنشر لهجته على الآيتين التاليتين.

وما دام الله قد أنعم عليه بهذه النعم كلها فلابد له بالمقابل من شكره، وإنما يشكره إذا ما اتخذه عمليًا قدوة له في تعامله مع البشر: فاليتيم يجدر به ألا يقهره، أي ألا يتسلط عليه استئثارًا بماله، فقد خفف الله عنه وطأة اليتم بما قدّر له من إيواء. والسائل سواء أكان طالب معروف أم طالب علم ودين يجدر به ألا ينهره أي ألا يزجره بغلظة، بل يعطيه ولو قليلًا أو يرده ردًا جميلا. ونعمة الله كما تجلت في السورة من قرآن ونبوة وإيواء وإغناء وهداية يجدر به أن يذيعها في الناس ليكون في ذلك قدوة لسواه، وفي هذا التوجيه توجيه لكل من آمن ليكون قدوة لسواه، لأن الرسول حين نزول السورة لم يكن يرعى يتيمًا بعد، ولأن الآية"وأما اليتيم فلا تقهر"نزلت في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه. وليس ثمة من ريب في أن هذا التوجيه العام لا يقبل جدالًا وذلك لأن التعبير عنه جاء بصيغة أمر تكتسي ثوب نهي في الآيتين الأوليين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت