هكذا يتصور البشر آلهتهم، أما إله ابن عربي فلا يحدُّه عقل لأنّه المعبود على الحقيقة في كل ما يعبد، والمحبوب على الحقيقة في كل ما يحبُّ، فالوثني والمجوسي، واليهودي، والمسيحي، والمسلم، كل يعبد الله على الحقيقة من حيث ما يظهر لكل منهم، ولهذا كان ابن عربي يتغنى قائلًا:
لقد صار قلبي قابلًا كلّ صورة
وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني
وما دام كل يعبد الله على الحقيقة ومآل الجميع إلى النجاة فلمَ النضال والنفار؟. إن فهم ابن عربي لله المتعالي على هذا النحو، فوق إله المعتقدات يجعلنا نميل إلى القول إنه ربما كان للصراعات المذهبية في العالم الإسلامي بين فرقه المتناحرة وأصل صراعاتها عوامل سياسية واجتماعية، وربما كان للغزو الصليبي الذي ألبس لباس الدين كي يخفي عيوب النظام الإقطاعي في أوربا، أساس وصدى في مقولة ابن عربي بأن كل إنسان يخلق إلهه الخاص، وإن إله ابن عربي يتعالى فوق الكل. إن إلهه هو التسامح المطلق، والحب المطلق، والحب في صيغة الهوى اسم من أسماء الله الحسنى: ... ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى
وحقّ الهوى إن الهوى سبب الهوى
*** ... وليس لي أمل في الكون إلاّه
الوحي النبوي والوحي الصوفي: (محاضرة د. سعاد الحكيم)
قالت د. سعاد إن بحث الوحي النبوي، والوحي الصوفي هو محاولة لإعادة قراءة الإنسان واستعدادته وإمكاناته وطاقاته الروحية على ضوء تجربة ابن عربي ونصّه في موضوع وحي النبي ووحي الولي، فكلمة وحي رادفت في أذهان العامة معنى التشريع الإلهي، وبالتالي الخصوصية النبوية، وهناك ضرورة لتحريرها من السكون في حدود تصوّر معجم فرقة أو تيار، وإعادتها إلى الحقل الأساسي: حقل النصّ، حقل القرآن للانفتاح على تعددية المعاني.