بل إن المشكلة نفسها قد سيطرت من قبل على الصياغات الأولى لعلم الكلام ذاته، العلم الذي طرحت في إهابه لأول مرة العلاقة بين الإنسان والله، وبين العقل والنقل، وبين الجير والاختيار ومع الاعتراف بأن أشكال هذا النزاع ربما تكون قد اتخذت صورًا أخرى وتجلّيات مختلفة . ولئن بدا على سبيل المثال، النزاع في أيامنا هذه بين العلمانية والأصولية نزاعًا سياسيًا، فإن المظهر الخارجي في هذا النزاع يجب ألاّ تحجب عنا حقيقته وهي أنه النزاع نفسه الذي نشب بين ( الكندي) ومعاصريه، أو بين ( ابن رشد) ومعاصريه حول العلاقة بين العقل والنقل ، أو بين الإنسان والله.
ومن البين أنه مايزال غير معترف للعقل في حياتنا المعاصرة بالاستقلال والسيادة حتى في الميادين التي لايستطيع ارتيادها سواه. ومن ثم فإن كل واحد من المعاصرين العلمانيين هو بطريقة ما ( الكندي) أو ( الفارابي) أو ( ابن باجه) أو ( ابن طفيل) أو (ابن رشد) . وعلى ذلك فإن الاهتمام بدراسة التوحد والمتوحد مشكلة ماتزال محتفظة بكل قيمتها ، لأنها بطريقة ما تهم كل مفكر حر، مادام المفكر الحر إنسانًا يحيا دائمًا في خطر على حد تعبير ( نيتشه) .