فهرس الكتاب

الصفحة 14528 من 23694

فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلًا بإطلاق. فإذا تمادى به الزمان والسعادة إلى أن يكون من الراسخين في العلم فعرض له تأويل مبدأ من مبادئها فيجب عليه ألاّ يصرح بذلك التأويل، وأن يقول فيه كما قال الله سبحانه (والراسخون في العلم يقولون آمنًا به كل من عند ربنا) هذه هي حدود الشرائع، وحدود العلماء" ( [20] ) "

يقوم النص السابق على فكرة أساسية ألا وهي أن هناك حدودًا واختلافًا بين الصناعتين الشريعة والفلسفة فالفلسفة لا تنشغل بقضايا الشريعة لأن الشريعة صناعة مستقلة بذاتها وغايتها مستقلة عن غاية الفلسفة وإن حصل وتناول الفيلسوف الشريعة فعليه احترام المعتقد الديني.

الشريعة إيمان والفلسفة عقل، والشريعة تحتاج إلى المعجزة لتثبت مبادئها، الفلسفة تحتاج إلى البرهان. هنا يدرك ابن رشد وظيفة المعجزة فهو لا ينفيها ولكنه أيضًا لا يدلل على حصولها إنما يحلل الغاية الشرعية منها.

والراسخ في العلم -وهو السعيد بعقله - لايطمئن إلى الظاهر من الشريعة فيسعى إلى التأويل الذي يحتفظ به لنفسه حتى لا يفسد على الإنسان الذي ينشد الفضيلة في الشريعة إيمانه العادي.

ولطالما هناك حدود بين الشرائع والعلماء -أي الفلسفة- فيجب إلاّ يتدخل أي طرفٍ في مجال الآخر.

وهذا يعني أنه لما كانت الفلسفة تأبى الانشغال بترسيمات الشريعة الإيمانية، فعلى الشريعة أيضًا عدم التدخل في نشاط الفيلسوف.

إن الإصرار على هذا التمايز هو الذي يعطي للفيلسوف حرية التفكير في حقلٍ مستقل عن الشريعة لا يناقضها.

إنما أراد ابن رشد ألاّ يرى المعركة مستعرة بين الفقيه والفيلسوف. ولكن هيهات للفقيه أن يقتنع بحرية الفيلسوف، بحرية العقل في اكتشاف الحقيقة، إنه يقف بالمرصاد من كل اختلاف مع ترسيماته الإيمانية مسلحًا بالنص والسلطة والجمهور إنه العنف الذي يواجه العقل الطليق حتى اليوم يابن رشد.

(**) - سورة هود 11/113

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت