فهرس الكتاب

الصفحة 14510 من 23694

فالله يظهر فيما لايتناهى من صفات الجبروت والقهر مثلما يظهر فيما لا يتناهى من صفات الرحمة، ولو أن اسمًا إلهيًا من أسمائه ظل معطلًا ولم يتحقق معناه في صورة من صور الوجود لما كان تجلي الحق كاملًا.

إن إله المعتقدات من خلق الإنسان يتصوره كل معتقِد بحسب استعداده وحظه من العلم أو الرقي الروحي، أما إله ابن عربي فلا يحصره ولا يحده عقل لأنه هو المعبود على الحقيقة في كل مايُعْبَد، المحبوب على الحقيقة في كل ما يُحَب ، وإن العارف حسب زعمه هو من رأى في كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، فالمعتقِد يعبد إلهه الخاص الذي خلقه في معتقده، ويجحد غيره من آلهة الاعتقادات، ويثني على الحق ومادرى أنه يثني على نفسه لأن إله المعتقِد من صنعه، ولو عرف المعتقِد أن غيره الذي يخالفه العقيدة ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد لما أنكر على هذا الغير مايعبده.

[ إن البشر إذن يخلقون إلههم فبعضهم (وهم المؤمنون) يعبده في صورة الهادي، وبعضهم (وهم الكافرون) يعبده في صورة المضل، ولكنه يبقى عين كل معبود لأنه الروح السارية في جميع مراتب الوجود، حتى الوثنيون منهم يعبدون الموجود الذي يتخلل كل جزء من أجزاء العالم المادي (40) ] ، فالمجوسي والوثني واليهودي والمسيحي والمسلم وغيرهم كل يعبده على الحقيقة من حيث مايظهر لكل منهم، ويترتب على هذا أن نهاية الجميع إلى النجاة.

وعلى الرغم من هذا كله فإنني أزعم أن ابن عربي يحظى - باحترام كافة الطوائف الإسلامية وممثلي مذاهبها ، وأزعم أنه عندما يقرأ من قبل العقلانيين والمثقفين الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة سيحظى باحترامهم.

والسبب فيما أظن أنه بنى على مذهب وحدة الوجود، وعلى فهمه الله فهمًا يتعالى به على فهم الفقهاء والعامة، مذهبًا في الحب والتسامح الديني يقف فوق المنافرات والمشاحنات والاختلافات الدينية والمذهبية التي أدت بالبشرية جمعاء إلى إهراق أنهار الدم عبر تاريخها المأساوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت