فهرس الكتاب

الصفحة 14456 من 23694

أما قصة خطبة طارق بن زياد فهي قصة أخرى. وهي التي تنسب إليه وفيها يقول:"أيها الناس، أين المفر؟! البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم العدو بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا قوت إلا ما تستخلصونه من عدوكم...".

.. يقول د. شاكر مصطفى: إنها بليغة جميلة شائعة، ولكن الشكوك تحف بها بدورها. فمن أين لابن زياد هذه البلاغة؟ وكيف يخاطب جندًا كانوا في جمهرتهم من البربر الذين لا يفقهون العربية؟!

.. على كل حال؛ فإنه لا ينفي قصة الخطبة نهائيًا، ويرجح أنها كانت خليطًا من العربية والبربرية.. إلا أن"الرواية شذبت الخطاب وأعطته الصيغة البلاغية"غير أن ما يلفت النظر، بعد دخول طارق الأندلس، وبعده موسى بن نصير هو الطريقة التي رويت فيها أنباء تساقط المدن الإسبانية، واحدة بعد أخرى، على ضخامة بعضها، ومناعة بعضها الآخر.. وهذا هو الأمر الذي أثار اهتمام المؤرخ الإسباني.. ووجده جديرًا بالتفنيد.

يعرض أبو العباس المقري أخبار فتوح هذه المدن في كتابه"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"بما يدعم وجهة نظر"أولاغي"، لكن رواياته مشوبة بما يتميز به كثير من كتب التاريخ القديم، من افتقار إلى التدقيق والنخل في نقل الأخبار، ونقدها، في حيث لا يتناقض الخبر وذاته، أو.. يتعارض موضوعيًا ومبادئ العقل. ولذلك فإنه أورد أخبارًا لا يمكن أن تكون مقبولة كغزو"قرطبة"في سبعمئة فارس، -وإن يكن هذا الخبر في ذاته مما يعزز الفكرة العامة عند"أولاغي"حول نفي غزو العرب الأندلس- علمًا أنه أي: المقري هو نفسه قد تحدث عن سور قرطبة الحصين العالي، وكحكاية فتح موسى بن نصير مدينة"ماردة"، وهذا ما لفت نظر المؤرخ الإسباني المعاصر، فنقده بذكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت