في لطائف الإشارات وقف الإمام القشيري لدى قوله تعالى: ( وإذ قال إبراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، قال: فخذ أربعةً من الطير فصرهنّ إليك ثم أجعل على كل جبل منهنّ جزءًا ثم ادعهنّ يأتينك سعيًا، واعلم أن الله عزيز حكيم) (13) فالطيور الأربعة عند القشيري هي: طاووس وغراب وديك وبط، فإذا ذبحها فقد ذبح زينة الدنيا وزهرتها= الطاووس، والحرصَ =الغراب، والاختيال والعجب= الديك،.. والسعي لطلب الرزق= البط..
ورأى القشيري أن الإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء، يعني النفس، فمن لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْي قلبه بالله...
وفيه إشارة أيضًا، وهو أنه قال: قطّع بيديك هذه الطيور وفرّق أجزاءها ثم ادعهنّ يأتينك سعيا.. فما كان مذبوحًا بيد صاحب الخلة مقطعًا مفرّقًا بيده فإذا ناداه استجاب له كل جزء مفرّق.. كذلك الذي فرّقه الحق وشتته، فإذا ناداه استجاب....: (من الكامل) .
( ولو آنّ فوقي تربةً ودعوتني
ومن لطائف التأويل ما تعاوره أئمة التصوف في تأويلهم لما ورد في قصة موسى عندما ظهرت له النار، وطلب من أهله أن يمكثوا ليذهب إليها ويأتي منها بقبس أو يجد على النار هدى.. فذهب وكان ما توقّعه، ممّا هو مشوق إليه من الهداية وذلك لمّا نودي: ياموسى إني أنا الله ربك فاخلع نعليك، وما النعلان هنا إلا الصورة الظاهرة والباطنة = الجسم والروح عند النابلسي (15) ، والكونين = الدنيا والآخرة عند الغزالي (16) ، لأنه لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطّراح ذينك النعلين اللذين يُسار بهما في عالم الأغيار، أما الوادي المقدس فهو الذات الوجود الحق المقدس عن كل شيء محسوس أو معقول.. إنه وادي (طوى) لانطواء العوالم كلها فيه واختفائها في وجوده ولانعدامها في حقيقته (17) . ... وهو الإله ولكن ليس يَدْرِيه (18)