وبعد بجاية يبدو أن دراسة المنظومة السينوية بتونس العاصمة كانت نشيطة أواخر العصور الوسيطة، وذلك ما يبرزه أبو زيد الثعالبي (5) ، وهو يتحدث عن مادة الطب:".... وكنت أعرف ـ قبل وقتي هذا ـ أن طلبة العلم بتونس: يشتغل النجباء منهم بهذا الفن، وأخذت معهم ـ في هذا ـ على الشريف الصقلي، فقرأت عليه أرجوزة ابن سينا....".
وربما كان ابن خلدون ممن قرأ هذه المنظومة بتونس، وهو يستشهد بها ـ مرة ـ في المقدمة (6) ، مما قد يشير إلى تعامل سابق مع هذا الرجز، ومن المعروف أنه توفي عام 808 /1406.
وكان يعاصر الفيلسوف التونسي طبيب مغربي من مدينة سلا: أبو الفضل العجلاني آتي الذكر، فيسجل ـ بدوره ـ دراسة بعض معاصريه ـ من الأطباء المغاربة ـ لألفية ابن سينا (7) .
وفي فاس: يعاصر سابقيه الطبيب ابن مهنا الآتي الذكر، فيشير ـ من جهته ـ إلى أنه قرأ نفس المنظومة على أستاذه لسان الدين ابن الخطيب (8) . وفي تونس ـ مرة أخرى ـ يلمع اسم الطبيب محمد الدهان المتوفى عام 853/1448، فيدرس ـ بالحاضرة الحفصية ـ أرجوزة الشيخ الرئيس، ويأخذها عنه العالم الأندلسي أبو الحسن القلصادي (9) .
فهذه بضع إشارات ـ ولو أنها قليلة ـ بصدد تلك الدراسات بالحلقات التعليمية، ولحسن الحظ يساوق ذلك ظهور بعض الشروح والتذييلات، لتؤكد ـ مرة أخرى ـ دور الألفية السينوية في تعليم الطب بالغرب الإسلامي في العصر الوسيط، وقد بلغ عدد هذه الشروح ستة: ثلاثة أندلسية، وثلاثة مغربية:
الأول: للطبيب القرطبي: عبد الرحمن بن أبي جمعة بن قاسم الحكيم القيسي المتوفى حوالي منتصف المائة الهجرية السادسة (10) ، ويعرف منه ـ الآن ـ النصف الثاني الذي يشرح القسم العملي، وهو ـ في سفر ـ ضمن مخطوطات مكتبة الزاوية الحمزية بأقليم الرشيدية، ومنه مصورة على الشريط: خ. ع، 13.
الثاني: شرح ابن رشد الحفيد: محمد بن أحمد بن محمد القرطبي المتوفى ـ بمراكش ـ سنة 595/1198. (11) .