ودخل أورليانوس روما في السنة التالية 274 في موكب كبير، لم يسبق له مثيل، سار فيه الجنود وأعضاء مجلس الشيوخ والوحوش الضارية. وكان بين الأسرى من مختلف الشعوب زنوبيا تسير مقيدة بسلاسل الذهب في عنقها وأطرافها. وكانت في الموكب مركبة (أذينة) زوج زنوبيا، وهي مزينة بالذهب والجواهر، ومركبة (زنوبيا) الخاصة التي أعدتها للدخول بها منتصرة.. إلى روما (90) .
ثمة روايات كثيرة حول نهاية زنوبيا، منها أنها قضت منتحرة بتناول السم قبل بلوغ روما. وذكر"ملالاس"أن القيصر أطاح برأسها بعد موكب النصر (91) . وهناك من قال إنها تزوجت من أحد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. على أن الأرجح أنها قضت بقية حياتها في"فيللا"خصت بها في"تيبور Tibur"على بعد عشرين كيلومترًا من روما، قرب قصر"هادريان"، وعاشت في عزلة في هذه البقعة المنعزلة.. متوحدة أو مع ولديها"وهب اللات"و"تيم الله Timolaus".. وبناتها.. الذين رددت كتب التاريخ أقاويل مختلفة عنهم جميعًا، حتى قيل إنها زوجت بناتها بأعيان من الرومان..
هكذا تكثر الأقاويل وتنسج الأساطير، في مختلف الأزمنة، حول العظماء سواء، في سمتهم أو حضيضهم، حين يصعدون إلى الذرى، وعندما يهبطون نحو الدرك الأدنى..
وإذا كانت الألوان تبهت على مر الدهور، وتبلى الأوراق وتتساقط الصروح، وتصوّح الديار.. فإن السيرة الجميلة المضمخة بعطر التاريخ النقي تبقى، تلهم الأجيال التالية، وتعلمهم وتدلهم على الطريق الصحيح، مؤكدة أن الصواب يبقى صوابًا مدى الدهر، وأن الحق يظل حقًا، مهما تغبر الأيام والسنون.
لقد قضي على حلم زنوبيا الجميل، وكانت قد قطعت أشواطًا عظيمة في الوصول إليه. وإذا كان في الناس من يرى أن على السياسي ألا يحلم، فإن السياسة هي في الأصل حلم كلها.
وها هم أولاء بنو أمية يحققون مشروع زنوبيا القومي بعد أقل من أربعمئة سنة في الامبراطورية التي امتدت أبعد من المحيط والخليج.