لقد مر زهاء خمسة عشر عامًا على تدمر منذ أن منحها كراكلا -ابن سفيريس وجوليا دومنا العربيين- لقب"المعمَّرة الرومانية"الذي يسوّيها بروما من حيث إعفاؤها من دفع الضرائب. وقد أدى ذلك إلى إعطاء الاقتصاد التدمري دفعة جديدة هامة. وكان لا بد أن ينعكس هذا الازدهار التجاري على حالة المدينة العمرانية والاجتماعية"فمد الشارع الرئيسي نحو معبد"بل" وجعلت له تلك البوابة الرائعة المشتهرة باسم"قوس النصر"، وأخذت تبنى المدافن الفخمة التي اصطلح على تسميتها"المدافن-البيوت"ووصلت تدمر في عمرانها إلى مصاف كبرى المدفن العهد الروماني في سورية.. وخارجها." (21) "
إذن لم يكن بد أمام تدمر، من الالتفات نحو روما، لمواجهة الساسانيين ومشروعاتهم التوسعية التي تهدد التجارة والاقتصاد والأمن والاستقرار فيها.
حقبة حرجة غامضة في تاريخ تدمر
ولكن روما لم تكن في أفضل أحوالها، فهي تعيش فترة مضطربة، تميزت بهجمات الفرنجة والألمان والقوط.. والفرس أنفسهم.
كانت هذه في الواقع حقبة حرجة وغامضة في الآن ذاته، من تاريخ تدمر، لكن الوضع السياسي تبلور فيها في صورة إمارة تدمرية عربية ذات حكم ذاتي موالية مبدئيًا للرومان، تلتف حول أسرة عربية تدمرية (22) .. هي الأسرة الأذينيّة.
والواقع أن هذه الأسرة التي يقول"الطبري"إنها من بني"السميدع"وينسبها إلى"هوبر العمليقي"، هي أسرة قديمة معروفة. تولى رجالها مشيخة تدمر والزعامة فيها (23) ..
أما رأس الأسرة الذي برز اسمه، مقترنًا بالطموح الذي مازال ينتقل من زعيم إلى آخر في السيادة والاستقلال عن الرومان والفرس معًا، وبناء دولة عربية قوية تنبثق من قلب بادية الشام، فهو أذينة بن خيرانَ بن وهب اللات.