لقد أسس شعر المكدين جمالية الفقر الحضري في الشعر العربي. فظاهرة الفقر الحضري لون حديث في الحياة العربية اقتضت جزئيًا جمالية جديدة ملائمة تأثرت دون شك بفن الشعر، ما صوّر منه الفقر وما لم يعن به متجهًا إلى مواضيع أخرى. ومعنى ذلك أن ممارسة الشاعر للتسول وعيشه على هامش المجتمع الفاعل في الحياة وَجّها شعره وجهة خاصة ولكنهما لم ينتجا جمالية منفصلة كل الانفصال عن الشعر الآخر الشائع...
ويُبْنَي على ذلك أن جمالية الشعر عامة والمجدد خاصة توحد بين شعر المتسول وشعر غير المتسول دون أن تلغي أثر حياة التسول في شعر المكدين إذ أن المعاني (مجردة) وثيقة الصلة بتجارب الشعراء في الحياة.
فكأن الشعر أكبر من الوضع الاجتماعي للشعراء الذين لهم مراتب اجتماعية متباينة لا يطمس ذاتية الشعراء ذلك أن جوانبه الجمالية المحضة يمكنها أن تعبر عن تجارب مختلفة.
ورغم اندراج شعر المكدين في مجرى الشعر العربي بعامة، من وجوه وفي حركة التجديد بخاصة في زمنه. يظل بالنظر إليه في كليته وفي تفاعل طرائقه الفنية مع معانيه وفي رؤيته النابعة من ذلك التفاعل، لونًا طريفًا مستقلًا مهجته فقر مادي وغنى جمالي اتجه بالقول الشعري إلى الواقع ينهل منه ويبدعه معًا باعتماد الخيال لأن استلهامه الواقع لا يعني أنه ينقله نقلًا تامًا.
الهوامش:
1-الجاحظ: الحيوان- تحقيق عبد السلام محمد هارون- دار إحياء التراث العربي- الجزء الثاني- بيروت (د،ت) ص 103.
2-من المكدين من أثرى بعد إملاق، مثل الأديب خالد بن يزيد مولى بني المهلَّب الذي يعرف بخالويه المكدي:
انظر: معجم الأدباء لياقوت- المجلد السادس- الجزء الحادي عشر- ط3- دار الفكر (د.م) 1980.
3-عبارة المطولات معقدة لأنها مصطلحات الكدية السريعة ونظام حياة الشحاذين.
4-أحمد الحسين: أشعار الشحاذين في العصر العباسي (جمع وتحقيق) - الطبعة الأولى- دار الجليل للطباعة- دمشق 1986- 123ص.