وللشاعر مقطوعة على مجزوء الرمل تتكون من خمسة أبيات موضوعها قائم على"الفحش"والتلميح إلى ظاهرة اللّواط. وفيها تعريض بسعيد ابن جبير وإشارة إلى بعض ما ورد في القرآن متصلًا بناقة صالح وعقرها. ويبدو"فحشه"متجهًا إلى الواقع تصويره ومثل ذلك واضح في مقطوعة تصور زيارة الشاعر للماخور وسكره فيه وتعرضه إلى الضرب:
وصرنا من أذى الصفع
وقد قال الشاعر قصيدة على مجزوء الرمل تتكون من ستة عشر بيتًا نزعتها زهدية وعظية تذكر بزهديات أبي العتاهية. بيد أن الزهد عند الأحنف ليس متصلًا بفكرة الموت وما بعده بل هو موزهد اضطراري راجع إلى الفقر والذل وفساد أخلاق الناس وجهلهم وغياب الصديق. والقصيدة تلخص وضعه المعيشي وتجاربه وتأملاته في الناس الدالة على تشاؤمه: ... س على كل سبيل
أفّ من معرفة النا
وقد استهل الزهدية بقوله: ... حة من هم طويل
من أراد الملك والرا
فليكن فردًا منَ النا ... س ويرضى بالقليل
وقد فخر في قصيدة على الهزج تتكون من عشرة أبيات بالانتساب إلى"بني ساسان"إخوانه في التسول وذكر توزعهم على الأقاليم وبين لبّ منهج التسول السلمي المكتفي بالحيل: ... بلا سيف ولا غمد
قطعنا ذلك النهج
فالأحنف العكبري ينطلق من الفقر موسعًا خياله الشعري ليلامس كبرى القضايا فيتأمل في الأسباب العلل والوسائل والنتائج ويفحص أحواله وأحوال معاصريه وينقد الحيف ساخطًا على لؤم البشر وغياب القيم الأصيلة مازجًا التأمل بالاستهزاء متوجعًا من الوحدة والغربة. فهو"فيلسوف"الشعراء الجائعين. ... وقد يهيج الحاجة التّذكّر (32)
إن شعر المكدين الذي حاولنا تحليل جوانب منه يكون لونًا واحدًا يشمل فروقًا متعددة نثرية. فالفقر مادة يتخذها شعراء التكدية ليعبر كل منهم بقول شعري خاص لا يعدم بعض الشبه مع غيره. فالموحد بينهم نظمهم قطعًا قصيرة متنوعة الأحجام تخلو من المقدمات، واختيارهم البحور القصيرة الخفيفة.