وهذا القدر من الدراسات اللغوية التي دارت حول شرح مفردات القرآن الكريم وإيضاح دلالاتها، مما قام بها القراء والمفسرون وعلماء الغريب والباحثون في لغات القرآن، والوجوه والنظائر، وما اتفقت ألفاظه واختلفت معانيه، وغيرها من الدراسات تنهض دليلًا لا يُجْحد على ما بذله السلف في هذا الميدان، على الرغم من تفاوت مناهجهم وأساليبهم في البحث كل حسب رأيه وعلمه، كاف لاعطائنا صورة مبسّطة عن هذا النوع من الدراسة اللغوية التي تُعَدّ من بذور الدراسة الدّلالية في نظر علم اللغة الحديث، لأن دراسة المفردات"ربما كانت الأصل، الذي بدأ به علماء اللغة خطواتهم الأولى، نحو علم الدلالة الحالي، منذ أن عرضت للانسان القديم ألفاظ من لغته أو من لغات أخرى، لم يفهمها... وهذا ما فعله علماء العربية من المفسّرين والمعجميين والشراح في هذا الميدان، بدءًا بابن عباس (ت 68ه) (90) فَشَرْحُ مفردات القرآن الكريم أو الحديث الشريف، وجلاء غامضه، وبيان ما وافق من ألفاظه بعض لهجات القبائل، وإظهار دلالة بعض الألفاظ بربطها بظاهرة الاشتراك اللفظي، وبيان معنى المفردة الأصلي ثم بيان معانيها الفرعية أو الثانوية أو الدينية، التي يظهرها السياق، والاحتجاج لذلك بأشعار العرب، وذكر بعض القضايا اللغوية التي تزيد من إيضاح دلالة المفردة أو تساعد على ومعرفة أصل تلك الدلالة، يُعَدّ بذورًا دلالية طُرِحت ونُوقِشَت في البحث اللغوي عند العرب في مراحل مبكرة."
ولعل الحديث السابق عن المظاهر التي تجلّت بها تلك الدراسات اللغوية المبكرة، قبل الطبري، وايضاح بعض معالمها الأساسية، وما وصلت إليه، أن يكون ضروريًا، ليقابل بعمل الطبري في هذا الميدان، فتظهر جهوده فيه أو مدى الاتساع الذي أدخله عليه، والطريق التي اتّبع، فتعرف مكانته، وتقوّم في ضوء الدراسات اللغوية. وهذا سيوضح في مقالة قادمة إن شاء الله.
الحواشي: