ويروي العلامة محمد أحمد دهمان أن أحمد بن قدامة- وهو من علماء فلسطين الأفذاذ أيام الاحتلال الصليبي- حين قدم دمشق من (جماعيل) - قرب نابلس- وبنى مع جماعته، في الصالحية قرب نهر يزيد (دير الحنابلة) فإن نور الدين كان يشخص إليه بنفسه، ويزوره هناك ويحادثه ويصغي إليه.
أربعة أيام مع الناس أسبوعيًا
من جانب أخر، فإن الاتصال بالناس والعلماء كان بين أوليات حياته اليومية، يقول الزركلي:
"كان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام، يحضر الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب، حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عما يشكل عليه. ووقف كتبًا كثيرة. وكان يتمنى أن يموت شهيدًا، فمات بعلة"الخوانيق"في قلعة دمشق- لعله مرض: الدفتريا- فقيل له"الشهيد"وقبره في المدرسة النورية."
وكان قد بناها للأحناف في دمشق، ولمحمد بن أبي بكر بن قاضي شهبة كتاب"الدر الثمين"في سيرته، ولأبي شامة كتاب"الروضتين في أخبار الدولتين"في سيرته وسيرة السلطان صلاح الدين ودولتيهما"."
وكانت علاقته متينة مع الأيوبيين، وقد اعتمد عليهم إلى حد بعيد في دولته التي ظلت تنمو حتى ترامت أطرافها.
أتساءل أحيانًا: من أين أتى نور الدين الشهيد بكل هذا الحب لبلاد الشام عامة ودمشق خاصة، ومن أين جاء بذلك الشعور المذهل بالمسؤولية عن أمن هذه البلاد وصحتها وسلامتها وثقافتها.. وكل شيء فيها!
..إن شعوره بالمسؤولية لم يتجل في مواجهته الصليبيين ومقاتلتهم وتحقيق تلك الانتصارات المظفرة وحسب.. بل إنه حصن أيضًا قلاع الشام جميعًا وبنى الأسوار على مدنها أو جدَّدها كدمشق وحمص وشيزر وحماة وبعلبك.
باب السلامة.. وباب الفرج
وتجمع الروايات- مثلًا- على أنه هو الذي أحدث اثنين من أبواب دمشق الشمالية: باب السلامة"السلام"وقد سمي بذلك تفاؤلًا لأن القتال غير ممكن من ناحيته. وقد جدد الملك الصالح أيوب سنة 641ه. وهناك من يرى أنه أجمل أبواب دمشق قاطبة.