ثم كان اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (ر) إيذانًا باضطراب الاستقرار السياسي الذي ساد أجواء الدولة الإسلامية، ومؤشرًا هامًا على أن بعض القوى السياسية، التي أخذت ملامحها بالارتسام بعد وفاة الرسول (( ) بمدة قصيرة، كانت تنمو في الخفاء، وبلغت مرحلة من النضج تمكنها من الدفاع عن مصالحها بأساليبها الخاصة. ولم تتوافر لعثمان بن عفان (ر) ، الخليفة الثالث، الحنكة السياسية اللازمة لإرضاء جميع الأطراف، أو لإضعاف الحركات المعارضة. وهكذا بدأت، في أواخر عهده، الفتن التي انتهت بمقتله.
وازدادت الأحداث خطورة في عهد علي بن أبي طالب (ر) ، الخليفة الرابع، وازدادت تعقيدًا، وأخذ المجتمع الإسلامي بالانقسام، وسادت الاضطرابات أجواءه؛ فمن الجمل إلى صفِّين، إلى انقسام الخوارج وموقعة حروراء والنهروان.. إلى غير ذلك من أحداث شهدها ذلك المجتمع في مدة لم تتجاوز خمس سنوات بكثير، في أكثر الآراء تسامحًا (3) .
وإذا كانت الخطابة السياسية تنشط وتزدهر في البيئات التي لا يتوافر فيها الاستقرار السياسي (4) فإن الأحداث التي شهدها هذا العصر، ولا سيما في أواخر خلافة عثمان (ر) وفي خلافة علي (ر) ، كانت تربة خصبة لنمو هذا اللون من الخطابة وتبلور ملامحه وقسماته.
فقد ارتفعت الأصوات تطالب بسياسة أفضل وأقوم في عهد عثمان (ر) وتعلن سخطها على النظام القائم، بل تشكك في شرعية الحكومة في بعض الأحيان، وتطالب بحقها في الخلافة في أحيان أخرى. وكان الخلفاء، ومن معهم، يردون على أولئك، فيوضحون الملابسات، ويؤكدون صحة موقفهم وصدق إيمانهم. وفي هذه الأجواء تكثر الخطب التي يتوجه بها الخطباء إلى الجماهير لإثارة مشاعرهم، وتحريك عواطفهم، والتأثير فيهم، واستمالتهم وإقناعهم بما يريدون.