فهرس الكتاب

الصفحة 13717 من 23694

إن الروح الشعرية الطاغية قد ضربت جذورها في أعماق النفس العربية، ثم سرت في دماء العرب عامة، فآلت بالشعر إلى أن يحتل مكانةً سامية في النفوس والعقول معًا، حتى إن بعض المصنِّفين والعاملين في ميدان التأليف والبحث لم يتردد في التباهي بموهبته الشعرية، فسخّرها للتأليف والتصنيف، وراح ينظم بعض معارفه شعرًا، وخاصة تلك التي برع فيها وتعمَّقها وأحصاها، وذلك تغليبًا لرونق النظم وظله الخفيف، على جفاف النثر وظله الثقيل، ورغبة في تسهيل حِفْظ ما يُرى نفع في حفظه، فرواية الشعر المضطرب الوزن، تذكّر القارئ أو السامع، بأن خللًا فيه قد وقع فيتدارك ما اختلَّ، ويتذكَّر ما سقط، ويصحح ما جاء فاسدًا... فتأتي المعلومة صحيحة وكاملة ومضبوطة.

والأمثلة على ما تقدم كثيرة، بل وكثيرة جدًا، ففي ميدان اللغة، وهو ميدان صال فيه العرب وجالوا، واستأثر بالجم من جهودهم الفكرية، نقع على منظومة في"غريب اللغة وشرحه"لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328هـ) عنوانها"قصيدة في مُشْكل اللغة"نشرها الأستاذ عز الدين البدوي النجار في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (مج64، ج4، عام 1989م) ، وقد افتتح أبو بكر الأنباري قصيدته بقوله:

يا مُدَّعي عِلْمَ الغريبِ والقريضِ والمثَلْ

نمِّقْ جوابي: ما القزيحُ والشَّقيح والألَلْ

ويجيب الأنباري نفسه عن سؤاله شارحًا:"قال أبو عبيدة: القريض هو القصيدة من الشعر خاصة دون الرجز والقزيح فيه قولان. قال أبو بكر: القزيح: المليح. تقول العرب: مليحٌ قزيحٌ. وقال آخرون: القزيح: العجيب. قال أبو بكر: والشقيح: القبيح، يقال قبيحٌ شقيحٌ. والألَل: قال أبو عمرو: البَرْق". ثم يضيف الأنباري في قصيدته:

وما العِمار والعَمار والخَبار والسَّفَلْ؟

ويمضي شارحًا بعده الكلمات التي ساقها في البيت، معتمدًا في ذلك على أئمة اللغة، كصنيعه في البيتين السابقين. ... والهَجْرِ والتجنّبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت