ففي علم اللغة الحديث Linguistics شاع مصطلح يسمَّى:"علم اللغة النظمي Institutional Linguistics"وهو علم يدرس لغة لدى جماعة ذات طبيعة عمل واحدة، أو ممَّن يمكن أن تضمهم نقابة أو حرفة واحدة، وبتعبير آخر: هم من ذوي اختصاص واحد..
وفي ميدان علم اللغة الاجتماعي يجري الحديث عن هذا الجانب عند رصد لغة المواقف الاجتماعية، إذ يتناول علماء اللغة المحدَثون مستويات الأداء اللغوي بالتحليل ويصنفون نوعية اللغة الموافقة لكل موقف، مما سمَّاه علماء البلاغة العرب"لكل مقام مقال"؛ فالحديث مع الطفل يتطلَّب تخيّر لغة موافقة للخطاب والمحاورة والتواصل، وقل مثل ذلك عن الحديث مع العجوز، أو المتدين، أو المرأة، أو الحرفي، أو المفكّر.. وإذا ما تفهَّمنا مثل هذه الحالة كان بمقدورنا أن نتصوَّر اللغة الخاصة التي يمكن أن يستخدمها أصحاب الحرف للتخاطب والحديث والتعبير عن مكنونات النفس والمنازع الداخلية، والتفريغ النفسي، أو"المونولوج"الداخلي الذي يسمّيه بعضهم تيار الوعي.
ولا ينبغي أن نؤخذ في رصد ذلك بظواهر الأداء أو المحاكاة اللغويين، فكثيرًا ما يتكلف الشاعر أو الناثر (الروائي أو المسرحي) محاكاة طائفة من الجماعة الكلامية ذاهبًا إلى إتقان التصوير الواقعي، ولكنَّ بعض مفرداته قد تكشفه وتدلل على انتمائه إلى جماعة أخرى لم يستطع أن يتخلص كليًا من موروثاتها اللغوية أو عاداتها الكلامية، فيبدو شبيهًا بحديثي الثراء في تصرفاتهم المرتبكة أو المضحكة، أو يبدو غير متقن لمصطلحات الجماعة ولا ممسك بمفاتيح أسرارهم.. وأحيانًا يكون لأصحاب الحرف رموزهم اللغوية التي يتفقون عليها وتشيع في دائرتهم وحدها، كما في المجتمعات الضيقة للمهربين أو المشتغلين بالنشاطات السرية والسلع الممنوعة.