أما مفهوم الحرفة فيطلق اليوم على العمل الذي يؤديه الإنسان ليحقق به دخلًا، أو على المهنة التي يزاولها ليكسب منها عيشه، أو ليرضي بها ميله وهوايته أو لينفّذ أوامر ألزمته بهذا النشاط الإنساني أو ذاك. وتُدرج الحرفة عند العرب في جملة الصنائع التي عرفوها في تراثهم وحضارتهم. وقد كانت حرفهم قديمًا بسيطة معدودة توافق طبيعة حياتهم وحاجاتهم التي يستدعيها السكن والكساء والطعام وما يتفرَّع عن ذلك من آلة الحياة.. ولعل ابن خلدون من هنا قرر أن"العرب أبعد الناس عن الصنائع، والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري" (2) .
ولأن الحرف لم تنتشر في المجتمع البدوي فقد أنف العرب الاشتغال بها وتركوا أمور خدماتهم للعبيد أو الأسرى أو الإماء (3) ، فضلًا عن أن حياة الحل والترحال والغزو والإغارة والصيد لم تكن تتيح لهم التروي في العمل اليدوي الذي تتطلبه حرفهم البسيطة. لكن العرب، عندما اختطوا الحواضر والمدن وعرفوا مجتمعات الاستقرار والتحضر، اتَّسعت بهم الحاجة إلى الحرف والصنائع، وفرزت طبقة من الحرفيين الذين صار لهم أسواقهم ومحالّهم الخاصة، وانتظم كثير منهم في ما يشبه النقابات التي كانت تسمى"الأصناف"، مما دفع بالسلطات الإدارية في الدولة إلى الاهتمام بهذه الطبقة: رعاية، وتنظيمًا، ورقابة، وفق ضوابط أو قوانين تتفق مع طبيعة العصر والبيئة ونوعية الحرفة. وتطوَّر نظام الإدارة في الدولة العربية حتى عرف نظام النقابات والحسبة والمحتسب (4) .
وليس في النية الإفاضة في الحديث عن اتساع دائرة الحرف والصنائع وما يتصل بذلك من أنظمة وتصنيف للحرَف ومراتبها ونظرة المجتمع إليها وإلى أصحابها، فلذلك موضع آخر (5) ، إنما نريد ربط لغة الحرفة هنا بالدراسات اللغوية الحديثة لنصل إلى غرضنا الأساسي.