ومن الملاحظ في صنع الزمخشري أن (إنما) تفيد إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره فالآي: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...( تعني"قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة وأنها مختصة بها لا تتجاوزها إلى غيرها كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم. ونحوه قولك: إنما الخلافة لقريش تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم"(10) ومعنى (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله("أني لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعيًا له وملتجئًا إليه فخلوني وشكايتي"(11) . وقوله: (فإنما إثمه على الذين يبدلونه( يعني:"ما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصى والموصى له لأنهما بريان من الحيف"(12) .
تتبدى في بعد آخر ينبع من البعد السابق أو يتصل به أوثق اتصال، هو تحديده للمقصور عليه أو لما يسميه بالاختصاص (13) والاختصاص مع (إنما) يكون مؤخرًا دائمًا. ومن هنا يختلف المعنى في تقديم المفعول به أو تأخيره من الآي: (إنما يخشى الله من عباده العلماء("فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى: إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى- ولا يخشون أحدًا إلا الله- وهما معنيان مختلفان"(14) .
وهذا الذي نقوله في الفاعل أو المفعول ينطبق على المبتدأ والخبر أو بقية أجزاء الكلام التي يصح فيها القصر. ففي الآي: (إنما الغيب لله(، (إنما أنت نذير( يقع الاختصاص في الخبر بدلالة قوله في الآية الأولى:"أي هو المختص بعلم الغيب المستأثر به، لا علم لي ولا لأحد به"(15) . وفي الثانية"أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحى إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه ولا عليك ردوا أو تهاونوا أو اقترحوا" (16) .
وفي الآي (فإنما عليك البلاغ( يقع الاختصاص في المبتدأ الذي هو البلاغ دون الخبر الذي هو عليك بدليل قوله:"فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب"(17) .