ألا يرى الدارس أن المبارك مصرٌّ على نفي وجود المدرسة البغدادية على الرغم من اعترافه بمقومات وجودها؟ ألا يتساءل القارئ معي عن مسوغ نفي وجودها على الرغم من اعترافه بأقوال تفرد بها علماؤها؟ فما الذي يحمله على الاعتراف بها إذًا؟ ولم يعد مستساغًا ولا مقبولًا في نظر المبارك إطلاقًا تسمية مدرسة أو مذهب بعد (26) :"أن طوت مدرستا البصرة والكوفة أعلامهما، ولم يعد الأمر في بغداد أمر منهج قياسي أو منهج سماعي يحمل لواء كل منهما طائفة من النحاة... وإنما حل محل المدارس والمناهج شيوخ تختلف مناهجهم وأساليبهم باختلاف عقليتهم وثقافتهم". غريب أمر هذا الكلام، فالبغداديون لهم منهج في القياس مختلف عن مذهبي البصريين والكوفيين، وإن كان نهجهم في السماع أكثر قربًا من منهج الكوفيين. لقد ذهبت المدارس في نظر المبارك بعد"أن طوت مدرستا الكوفة والبصرة أعلامهما"و"حل محل المدارس والمناهج شيوخ تختلف مناهجهم وأساليبهم"والسؤال هنا من الذي يكوّن المذهب النحوي الجغرافيا أم الناس؟ ثم لماذا الاعتراف بدور علماء كل من البصرة والكوفة في تأسيس المذاهب وحرمان أعلام بغداد من هذا الحق؟ كيف استطاع المبارك فصل النظرية عن صاحبها، وكيف تستقل المدرسة عن الشيخ وأسلوبه والشيوخ هم المنطلق في إرساء قواعد المنهج والأساليب التي تشكل بعد بلورتها ووضوحها مدرسة أو مذهبًا؟ ومن يراجع مؤلفًا آخر للمبارك هو (الزجاجي) (27) يستطيع أن يستنتج منه اعترافًا بمبادئ المذهب البغدادي المتمثلة"في البعد عن حمى التعصب، وحماسة الجدل، وعزة التمسك بالرأي، وانتخاب الرأي الموافق دون النظر إلى نزعة صاحبه، وأنهم كانوا أحرارًا في اختيارهم"ألا تعني هذه المبادئ أن المبارك معترف ومقر بوجود المدرسة البغدادية، ومستحسن لما قامت عليه من أصول ومبادئ؟
3-د.فاضل السامرائي: