5 ـ لقد اعتبر أبقراط ماء المطر من أجود المياه عذوبة وخفة، بدون شرط أو تحفظ، أما ابن سينا فقال:"ومن المياه الفاضلة مياه المطر، وخصوصًا ماكان صيفيًا، ومن سحاب راعد. أما الذي يكون من سحاب ذي رياح عاصفة فيكون كدر النجار الذي يتولد منه، وكدر السحاب الذي يقطر منه، فيكون مغشوش الجوهر غير خالصة"، ويضيف إلى ذلك قوله:"إلا أن العفونة تبادر إلى ماء المطر، وهي ملاحظة ذكرها الطبري، ولكن ابن سينا يضيف إليها الملاحظة الصحيحة الآتية:"ولكن إذا بودر إلى ماء المطر وأغلي قل قبوله للعفونة"."
6 ـ قارن ابن سينا بين مياه العيون ومياه الآبار، فقال:
"أما مياه الآبار والقني، بالقياس إلى مياه العيون، فرديئة، وذلك لأن مياهها محتقنة، ومخالطة للأرضيات مدة طويلة، وهي لا تخلو من تعفين ما"، ويضيف إلى ذلك قوله:
"وماء النز أردأ من ماء البئر لأن ماء البئر يستجد بنوعه بالنزح فتدوم حركته... وأما ماء النز فماء يطول تردده في منافس الأرض العفنة، ويتحرك إلى النبوع والبروز. وحركته بطيئة لا تصدر عن قوة اندفاعها، بل لكثرة مادتها، ولا تكون إلا في أرض فاسدة عفنة".
7 ـ سمح ابن سينا باستعمال الجليد والثلج، بشرط أن يكون من مياه صالحة، فقال:
"والجمد والثلج، إذا كان نقيًا غير مخالط لقوة رديئة، فسواء حلل ماء، أو برد به الماء من الخارج، أو إلقي في الماء، فهو صالح، وليس تختلف أحوال أقسامه اختلافًا كثيرًا فاحشًا، إلا أنه أكثف من سائر المياه، ويتضرر به وجع العصب، وإذا طبخ عاد إلى الصلاح."
أما إذا كان الجمد من مياه رديئة، أو الثلج مكتسبًا قوة غريبة من مساقطه، فالأولى أن يبرد به الماء محجوبًا عن مخالطته"."
من ذلك يتبين لنا أن ابن سينا قد عرف بحكمته وتجربته أن البرودة لا تقضي على رداءة الماء، بعكس الطبخ أي الغلي، فإنه يصلح الماء...