مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان"أبريل"1996 - ذي القعدة 1416
يقول المستشرق جيب (*) :"أما الآن فثمة ما يبرر الادعاء القائل إن للشعر العربي الفضل إلى حد ما في قيام الشعر الجديد في أوروبا".
ثم يستطرد قائلًا: إن دخول أنماط الأدب العربي هذه إلى أوروبا القرون الوسطى كان في الواقع يمثل مظهرًا من مظاهر الحركة الثقافية العامة. كانت الحضارة اللاتينية تضيق ذرعًا بالقيود الضيقة التي تفرضها الأنظمة الكنسية في العصور المظلمة. وأصبح الناس جميعًا وهم يشكّون محتارين أمام الأمور التي ظلوا يتقبلونها كحقائق منزهة لا تقبل الدحض. ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن إيجاد ما ينقع غلتهم وسط جدب أدبهم اللاتيني وضيقه وزيفه وسخفه فقد اضطروا أن ينشدوا ما يريدون في أصقاع أخرى. كانوا حتى ذلك التاريخ يعترفون ويسلمون حانقين ساخطين بتفوق الإسلام العسكري أما الآن فصاروا يدركون خجلين وجوب التسليم للإسلام بالتفوق الفكري. وبتدفق فيض العلم العربي الذي أعقب هذا التسليم والإيمان، ولدت مجموعة من النثر الأدبي تسلّلت إلى جميع الآداب الأوروبية الأخرى المتحاملة على نفسها، المتنامية، قليلًا كان نموّها أم كثيرًا. وكان هذا مما مهد الطريق للانفجار الفكري المعروف بعصر النهضة"الرونيسانس" (19) .
ومن جانب آخر فإن الدكتور البدوي يؤمن إيمانًا عميقًا بتأثير ما ترجم من كتب الأدب العربي إلى اللاتينية وسواها من لغات أوروبا على مجمل نتاج الأدب الحديث في أوروبا، تستوي في ذلك الأعمال الأدبية التي ظهرت في بدايات عصر النهضة، أو في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.. بل إن"جيب"يرى أن تأثير الروح الأندلسية في التهذيب والصقل كان كامنًا وراء قصة"امادي دي كولا"وهي قصة مشهورة من أقاصيص القرون الوسطى.