وتدرك الباحثة"رشيدة"أن دراسة التطور اللغوي من خلال ما ذكره الجاحظ في كتبه من ألفاظ العصر العباسي ليس بالأمر اليسير، لأنه يعتمد المنهج في تفسير اللغة بالعوامل المؤثرة فيها لا في عصر الجاحظ فحسب، بل في العصور السابقة، أو يلتزم منهج البحث نقيض هذه الفرضية، فينطلق من اللغة ليستخلص منها العوامل المؤثرة في حياة المجتمعات.
ويبدو أن المؤلفة جمعت بين المنهجين اللغوي والتاريخي مقدِّرة أنها لن تصل إلى نتائج حاسمة، بل مقاربة، لأن ما جُمع من اللغة في بطون المعجمات لم يرصد التطور الدلالي للكلمة عبر العصور، ولم يبيّن متى وقع ذلك التطور وكيف تمَّ. والمعجمات لا تحدد الزمن الذي دخلت فيه الكلمة إلى العربية، أو استعيرت منها إلى لغات أخرى، ولا أحد يستطيع أن يجزم مثلًا بالأصل اللغوي لكلمة (سكر) وما اللغة التي ابتدعتها..؟؟ ومتى استعيرت من اللغات الأخرى، وكيف تمت هذه الاستعارة.؟ وفي أي زمن حصلت.؟
تجاه هذه الصعوبة اكتفت المؤلفة الباحثة، بنقل آراء اللغويين في تتبع جذور الكلمات واجتهاداتهم التي لا تخلو من تضارب، إلا أنها أثبتت لنا مسلمة لا تقبل النقاش، فإن شيوع الكلمات ذات الأصل الفارسي وتسربها إلى العربية زمن الجاحظ، وفي العصر العباسي بعامة، يثبت أثر هذه الحضارة في حياة المجتمعات العربية من النواحي الحياتية تحت تأثير التواصل التجاري، والاجتماعي، والثقافي، فقد تطورت حياة العرب، وتعددت حاجات الإنسان مع هذا التطور، فكان لا بد من تطور اللغة في ظل ذلك، عن طريق الاقتباس، أو إحياء مفردات عربية قديمة، أو إماتة مفردات عربية ثقيلة اللفظ واعتماد كلمات معربة بدلًا منها.