ولكن سخرية الجاحظ لطيفة مستطرفة وليست لاذعة مستهجنة؛ فقد كان يشير إلى العيوب ويظهرها بظَرف ومرح مستحسنين، ولا عجب في ذلك، فالجاحظ كما ذكرنا كان رقيق الحاشية محبًا للناس عطوفًا عليهم، كما كان بطبعه مرحًا منطلق الوجه نزاعًا إلى الضحك والمزاح. وجملته التي أثِرت عنه تفسر ما ذهبنا إليه، وهي قوله:"الجد مبغضة والمزاح محبة" (39) . لقد كان إذًا يصدر في مزاحه وفكاهته عن محبته للناس ووده لهم وعطفه عليهم.
أما عوامل هذه النزعة الساخرة لدى الجاحظ فتعود في رأي طه الحاجري إلى: طبيعة حياة الجاحظ الذي صحب الدنيا طويلًا وتقلبت على عينيه،"ولابس صنوف الجماعات وألوان الناس ملابسة استطاع بها أن ينفذ إلى بواطنهم، ويظهر على ما يخالج نفوسهم ويوجههم في حياتهم، ومارس ألوان الحياة ممارسة جعلته أدنى إلى فهمها وأبعد عن الافتتان بظواهرها". يضاف إلى ذلك"دراستُه المفتنّة أفانين مختلفة، الذاهبة مع شتى المعارف والآراء والمذاهب (...) ثم روح الاعتزال التي كانت تتجه بأصحابها إلى التغلغل في النواحي المختلفة للمعرفة"، وكذلك"نزعة الجدل والمناظرة التي كانت غالبة عليه، ثم هذه المرونة والألفة العقلية التي امتاز بها". وهذه العوامل بمجموعها مضافًا إليها الطبع المرح ومحبة الناس ومحبة الحياة والاستمتاع بها مكنته من أن يظهر على نحو فريد متميز، يثير سخرية رشيقة لطيفة مستحبة،"تقصد إلى الأذواق المترفة والمدارك المرهفة، حتى لقد يرى بعض القراء هذه الصورة أو تلك من صوره الساخرة فلا يكاد ينتبه إلى مواطن السخرية فيها، إذ كانت سخرية الذهن الدقيق والذوق الرفيع المهذب والفن الخالص المتمكن." (40) .
وفيما يلي بعض النماذج لهذه السخرية الشائعة في كتاب البخلاء: روى الجاحظ ما قاله المكي عن سليمان الذي كان يقلل من الضحك حتى لا تنفرج أساريره، وتنطلق نفسه فيبذل، قال: