فهرس الكتاب

الصفحة 13267 من 23694

السخرية صفة تلازم أعمال الجاحظ بمجملها، والمتصفح لآثاره يلمح ذلك بوضوح شديد، ولكنها أبرز في كتاب البخلاء وأقوى، فهو مبني في جانب منه عليها، لأن السخرية صفة تلازم الهزل والمزح والضحك عمومًا. ثم إن قصص الجاحظ ونوادره في البخلاء تقتضي هذه الصفة اقتضاء، وتتطلبها تطلبًا. أفليس كتابه قائمًا على التناقضات والمفارقات؟ تناقضات الكذب والصدق، والبخل والكرم، والنسيان والتذكر، والأثرة والإيثار، والغباء والفطنة، والفقر والغنى، والحرص والبذل، والبكاء والضحك، والهجاء والثناء، والمر والحلو، والكسب والإنفاق، والشِّقوة والسعادة.. الخ؛ ومفارقات التطبّع والطبع، والتغابي والغباء، والتناسي والنسيان، والتستّر والستر، والتكلف والكلَف، والتغافل والغفلة، والتحامق والحمق، والتظاهر والظهور، والتكسُّب والكسْب،... الخ. إن المتأمل في مقدمة الكتاب يجد أن معظمها مسخر لإظهار هذه التناقضات والمفارقات وتتبعها لدى بخلاء الجاحظ. وليس أدعى إلى السخرية من وصف الجاحظ في المقدمة لمذهب صَحْصَح في تفضيل النسيان على كثير من التذكر، وتشبيهه المغفلين والأغبياء بالبهائم. يقول:

وسألت أن أكتب لك"مذهب صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأنّ الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة، وأن عيش البهائم أحسن موقعًا في النفوس من عيش العقلاء: وأنك لو أسمنت بهيمة ورجلًا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل وهمة وأخرى ذات غباء وغفلة، لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمة أبطأ، لأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو شحمًا في الأيام اليسيرة، ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه، والغافل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء." (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت