وإذا استثنينا بعض الروايات من هنا وهناك (4) ، التي تشير إلى أن بعض أساتذة الطب قد قللوا من أهمية هذا الكتاب فإن القاعدة العامة تظل على عكس هذا التقييم، بل إن بعض المؤرخين يحسب أن الاحترام الشديد الذي تمتع به الكتاب جمد الطب عند حدود المعرفة المتوافرة في عصر ابن سينا، ومنع لقرون عديدة دارسي الطب من البحث عن نظريات جديدة في الأمراض. أي أن"القانون"في ظنهم قد جمد العلوم الطبية أكثر من خمسة قرون، لأنه أصبح كتابًا مقدسًا في عالم الطب لا يجرؤ أحد على نقده، ولا يفكر أحد في تطويره (5) .
ابن سينا وهيرشبرغ:
لقد قيض الله لتأريخ طب العيون العربي أستاذًا بارعًا ومؤرخًا قديرًا وعارفًا باللغات هو الأستاذ هيرشبرغ Hirschberg أستاذ أمراض العين في"جامعة برلين"، في مطلع القرن العشرين... الذي ألف في تاريخ طب العيون مؤلفات ليس لها نظير في تاريخ العلوم قاطبة.
ولقد قام هذا الأستاذ مع بعض زملائه (6) ، بترجمة القسم المتعلق بطب العيون من كتاب القانون إلى اللغة الألمانية، كما قام بالتعليق عليه.
وإن معرفتنا بتاريخ طب العيون عند العرب تعتمد بالدرجة الأولى على مؤلفات الأستاذ هيرشبرغ (7) ، الذي مهد الطريق لهذه الدراسة الصعبة.
ولكن تأريخ طب العيون العربي قد تطور كثيرًا بعد هيرشبرغ بفضل اكتشاف كتب أخرى لم يتح لهيرشبرغ أن يحصل عليها. وذلك أنه عثر على مخطوطات لم تكن مفهرسة، أو لم تكن معروفة المكان حتى ذلك الزمن. أو أن بعضها كان يعد مفقودًا (8) .
لذلك فإن تعليقات هيرشبرغ على مادة طب العيون في"كتاب القانون"أصبحت بحاجة إلى إعادة النظر فيها على ضوء المعلومات الجديدة.
وقد لا ينتج عن إعادة النظر هذه أي اكتشاف جديد... ولكن هذه هي القاعدة في تاريخ العلوم، فإن مقالة مر عليها أكثر من خمس وسبعين سنة.. لابد من إعادة دراستها، وتقييمها وامتحان الأحكام الواردة فيها.
تكريم العلماء: