ولد الجاحظ في"البصرة"، وهي مدينة أسسها عتبة بن غزوان معسكرًا للجيش، وسميت بالبصرة لصلابة أحجارها أو لوعورة أرضها، وذهب بعضهم إلى أنها معرّبة لكلمة (بس راه) الفارسية بمعنى ذات الطرق الكثيرة، وإن كان المجمع عليه أنها تعني الشدة والصلابة في الأرض، وكان الجاحظ شديد الحنين إلى البصرة لكنه نظر إليها نظرة العالم لا الشاعر فتحدث عن ذبابها وزرعها، وكان يدين لها بالولاء وهو الذي يقول:"أخذت بآداب وجوه أهل دعوتي، وملتي ولغتي، وجريدتي وجيرتي وهم العرب"وفي هذا الكلام عروبية واضحة ووطنية صادقة، وهو ينقل ما قيل عن البصرة في كتبه نقل المعجب بها، فيثبت قول خالد بن صفوان في البصرة:"نحن أكثر الناس عاجًا وساجًا، وخزًا وديباجًا وبرذونًا هملاجًا، وخريدة مغناجًا، بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أوله الرطب وأوسطه العنب وآخره القصب.." (2) .
وفي البصرة نشأ شيوخ الأدب واللغة كالأصمعي وأبي زيد الأنصاري وخلف الأحمر، والنضر بن شميل، وقطرب، وسيبويه، والمازني والمبرد، وابن دريد، فمنها طلع فكر العرب، وكان للجاحظ نصيب من هذا الفكر.