أدب الجاحظ مَسْرَحٌ كَوْني غاصّ بمختلف الكائنات، مائج بشتى الأخبار والحكايات، نابض بألوان الحياة واشتباك الأحداث. يعرض المؤلف فيه مختلف الأقوام من عرب وفرس وروم وهنود وصينيين وغيرهم، ومن خاصة الأقوام وعامتهم وسوادهم. تلقى فيه الخلفاء والملوك والأمراء وقادة الجيوش كما تلقى الوعاظ والزهاد وأصحاب الحديث والقضاة والمتكلمين والفلاسفة، وتجد فيه الشيوخ والأحداث والفتيان والقيان إلى جانب الرعاع والدهماء، بل إن أخبار هؤلاء أكثر استئثارًا باهتمام المؤلف. وتستمع فيه إلى البلغاء والشعراء والخطباء، ويمر أمامك البسطاء والمغرورون والأجواد والبخلاء والمكدّون بطوائفهم وبأسماء بعضهم وحججهم وشواهدهم، وتشاهد فيه أنواع الحيوان والطير والزواحف والحشرات وعلاقات الناس بها وعلاقاتها بالإنسان. ولا يتورع الكاتب من إيراد ما في ذلك من جد وهزل وحكمة وعبث وملح ونوادر بل من إسفاف وإحماض مع ما يسنح من ذكر النجوم والكواكب والشمس والقمر والأنواء والفصول والنار والنور والبرد والحرور. وكل ذلك مغلّف ببلاغة عجيبة وتصوير دقيق مرهف وظرافة متهللة وسخرية لاذعة وابتسامة ذكية هي أذكى من ابتسامة"الجوكندا"التي ابتدعتها ريشة الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي ولم يكن بإمكان الشعر أن يصنع مثل هذا! ولهذا لا نستغرب إدراك الجاحظ لمزاياه العلمية والبيانية والنفسية والاجتماعية، حتى إنه كان على"جماله"كالكوكب الدري طوال الأحقاب المتلاحقة. لقد وضع نفسه فوق مرتبة وزراء عصره وطمح، إن صحت الرواية التي أوردناها في مستهل البحث، أن يصل في العلاء إلى مكانة الخليفة جدًا أو هزلًا. لا ضير. ذلك حظ البيان الرفيع والقلم المطيع والعلم الواسع ونور المعرفة الساطع.
الحواشي:
(1) -جمع الجواهر في الملح والنوادر للحصري، المطبعة الرحمانية بمصر 1353- ص 165.