ولكن صور الأصوات تتجاوز تلك الحاجات. قال أبو عثمان في موضع آخر:"فإذا صرت إلى السنانير وجدتها قد تهيأ لها من الحروف العدد الكثير. ومتى أحببت أن تعرف ذلك فتسمَّع تجاوب السنانير وتوعد بعضها البعض في جوف الليل، ثم أحْصِ ما تسمعه وتتبعه وتوقف عنده فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات والعقول والاستطاعات ثم ألّفتها لكانت لغة صالحة الموضع متوسطة الحال" (36) .
كل الناس تعرف تفاوت الطيور وأنواع الحيوان في حسن الصورة، بل تفاوت الأفراد من كل نوع فيه. والمسلمون حين يتصورون الجنة يتصورون جميع الأشياء الحسنة والمستحبة وذوات الصور الجميلة فيها. وحين يتصورون النار تبتدر إلى أذهانهم الصور القبيحة. ولذلك لا نعجب حين نجد الجاحظ يعرض قول بعض معاصريه من علماء الكلام:"ولكنا نزعم أن جميع ما خلق الله تعالى من السباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أو حسن المنظرة مُلذٌّ. فما كان كالخيل والظباء والطواويس والتدارج فإن تلك في الجنة ويلذُّ أولياء الله عزّ وجلَّ بمناظرها- وما كان منها قبيحًا في الدنيا مؤلم النظر جعله الله عذابًا إلى عذاب أعدائه في النار." (37) ، ويعقب المؤلف على ذلك تعقيبات مناسبة ربما تركت آثارًا عند فريق من المفكرين والصوفية المتأخرين.
وكلما عرض القول في أوصاف بعض الحيوان أو الطير الجميلة لخص الجاحظ جماله بريشته الدقيقة. فهو عند الكلام على الطاووس يشيد بمونق منظره وإمتاع حسنه للبصر (38) . مثَله في ذلك مثَل التدرج، وبتعاريج ريشه وتهاويل ألوانه (39) . ويذكر في موضع آخر أن"ذكورة كل جنس أتمُّ حسنًا من إناثها، وربما لم يكن للإناث شيء من الحسن وتكون الذكورة في غاية الحسن كالطواويس والتدارج، وإناثها لا تدانيها في الحسن، ولها من الحسن مقدار" (40) .