نفحص أول الأمر أماكن بعض الحيوان والطير، ولا سيما إذا كان الطير والحيوان هما اللذين يصنعان البيوت التي يأويان إليها. إنهما يعمدان إلى مثل هذا البناء رغبة منهما في العيش المشترك بين الذكر والأنثى ورأما للنسل. من الطبيعي أن نفكر في أعشاش الطير وأوكاره ومحاضنه وكناس الوحش ومكا الأرنب والثعلب وكور الزنابير وخلايا النحل وقرى النمل وجحور الضباب والحيات وأدحيّ النعامة، وأفحوص القطا وأمثال ذلك، وأن نقابلها بفن العمارة عند الإنسان وإن كانت الفروق كبيرة والمقاييس متفاوتة ولكن بعضها في الإحكام والتمام والملاءمة تفوق هندسة المهندسين ومهارة البنائين. على أن بعضها الآخر يصنعه الإنسان للحيوان كإسطبل الدواب ومراح الإبل وزرب الغنم وبعضها يصنعه الحيوان بنفسه لنفسه. ولا يغيب عن ذهن الجاحظ هذه الأمور وهو يشير إلى خلايا النحل وقرى النمل وبيت العنكبوت ولكنه يعمد إلى أطرفها وهو عش الحمام فيصف صنعه أبدع وصف وأدقه وألطفه. يقول:"والحمام أكثر معانيه الذرء وطلب الولد. فإذا علم الذكر أنه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد تقدما في إعداد العش ونقل القصب وشِقَق الخوص وأشباه ذلك من العيدان الخوارة الدقاق حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجًا متداخلًا، وفي الموضع الذي قد رضياه واتخذاه واصطنعاه بقدر جثمان الحمامة، ثم أشخصا لتلك الأفحوصة حروفًا غير مرتفعة، لتحفظ البيض وتمنعه من التدحرج، لتلتزم كنفي الجؤجؤ (6) ، ولتكون رفدًا لصاحب الحضن وسندًا للبيض."