من الطبيعي أن يفوق الشعر النثر في التأثير والشهرة، أما بيان الجاحظ وحُسن تأتّيه للأفكار وصفاء إعرابه عن المشاعر فقد فاق شعر الشعراء. والرواية المشهورة أنه"قيل لأبي هِفّان: لم لا تهجو الجاحظ، وقد ندَّد بك، وأخذ بمخنَّقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله! والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طنّ منها بيت في ألف سنة" (5) .
من أهم كتب الجاحظ كتاب"الحيوان". وقد كتبه على اتساعه في أخريات حياته.
لقد رافق الحيوان الإنسان منذ أن وجد الإنسان في حله وترحاله وفي جميع أحواله. ومن الطبيعي في كل حضارة ناشئة أو متوطدة أن تتكلم في هذا الموضوع وتتناول في ثقافتها ومعارفها أنواع الحيوان وخصائص كل نوع وصفاته. وقد جرت محاولات شتى قبل الجاحظ في تأليف كتب ورسائل صغيرة تتعلق ببعض أنواع الحيوان كالخيل والإبل والطير والنحل والحشرات، ولكنها كانت إلى جمع الألفاظ اللغوية التي تفيد تلك الأنواع وتصف أفرادها أقرب منها إلى الكلام على طباع الحيوان وخصائصه وصفاته وأخباره. وقد كانت تلك الرسائل مادة مهمة دخلت في معجمات اللغة وصبت في مياهها ولججها. ولا شك أن أول كتاب جامع لخصائص الحيوان وأهم سِفْر لتشعب الكلام فيها هو كتاب الجاحظ. وهو عندنا كالمنجم الكثير الفلّزات المتنوع الركاز وكالخزانة العامرة بجواهر المعارف ودرر الحكايات. مصادر الجاحظ فيه متنوعة يمكن إجمالها في خمسة كما ذكرها محقق الكتاب عبد السلام هارون وهي:
1-القرآن الكريم والحديث الشريف.
2-الشعر العربي ولا سيما البدوي يحمل في طياته أوصافًا متنوعة للإبل والخيل والوحوش والطيور. ومن أقدر من الجاحظ في الاطلاع على تلك الأوصاف وتحريه لها، وإيرادها في الموضع المناسب وتقريب ما فيها من المعاني مما ورد مثله في كتب الأطباء والمتكلمين والفلاسفة؟!