وحين نشطت البعثات إلى البلاد الأجنبية وكثرت الترجمات واطلع الأدباء والشعراء على نتاج الغرب فانبهر بعضهم بها واستهواهم التجديد والتغيير وكان من حصيلة ذلك قصيدة التفعيلة وبقيت محافظة على سمات التراث ولم تتجاوزه إلا إلى تغيير الشكل من حيث تنويع القافية وعدد التفعيلات. وقد أجاد في هذا المضمار كثير من الشعراء وبخاصة شعراء الأرض المحتلة من أمثلة ذلك قصيدة فدوى طوقان التي تقول فيها:
وقفتي في الجسر أستجدي العبور
آه أستجدي العبور
ويدوّي صوت جندي هجين
ويد تصفق شباك التصاريح
تسد الدرب في وجه الزحام
آه إنسانيتي تنزف
قلبي يقطر المر
دمي سم ونار
آه وامعتصماه
كل ما أملكه اليوم انتظار
ومثل قصيدة توفيق زياد التي يقول فيها:
أهون ألف مرة
أن تدخلوا الفيل بثقب إبرة
وأن تصيدوا السمك المشويّ في المجرة
أهون ألف مرة
من أن تميتوا باضطهادكم وميض فكره
وتحرفونا عن طريقنا الذي اخترناه
قيد شعرة
فهذا النوع من الشعر لم ينقطع عن التراث ولكن يعوزه استقراء الجيد منه وتنظيمه ووضع قواعد له على نحو ما فعل الفراهيدي ببحور الشعر الستة عشر، لغربلته وحمايته من الفوضى التي لحقت به، ولا بد للنقد من أن يقوم بدوره في هذا المجال.
لكن هذا لا يعني الانصراف عن الشعر العمودي الأصيل مهما يبلغ التطور من الجمال والفن الرفيع.
وقد أجرى الأديب الناقد د. أحمد بسام الساعي دراسة عرضها في كتابه"حركة الشعر الحديث"وازن فيها بين قصيدتين للشاعر نزار قباني إحداهما خليلية والأخرى سار فيها على نهج شعر التفعلية، والقصيدتان تتناولان موضوعين متشابهين. أما القصيدة الأولى فهي بعنوان:"إفادة في محكمة الشعر" (3) . يقول فيها نزار:
مرحبًا يا عراق هل نسيْتني
مرحبًا يا جسور يا نخلُ ... يا نهرُ وأهلًا يا عشبُ يا أفياءُ
كان عندي هنا أميرة حب ... ثم ضاعت أميرتي الحسناءُ