ولم يبق في الباقين حافظ خلةٍ ... فعش واحدًا ما عشت تنجُ وتسلم
فلست ترى إلا صديقًا لموسر ... حسودًا لمجدودٍ عدوًا لمعدم
فجانبهم ما أسطعت واقبل نصيحتي ... ومن لم يطع يومًا أخا النصحِ يندم
"ومن لم يصانع في أمورٍ كثيرةٍ ... يضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم" (19)
وبعد حادثة السجن، وجد أمية أن لا مندوحة عن الرحيل. ... رب السماء عليك بعدي
رحيل أمية إلى المهدية بتونس:
بعد موت والدته ومحنته التي استبدت به ثلاث سنوات وشهرًا، ثم أخلي سبيله من سجن المعونة، ذهب إلى الإسكندرية حيث قضى بعض الوقت، فلم ير تبدلًا مرضيًا في أحواله، وهنا قرر الرحيل إلى المهدية وفي سنة 506 هـ بارح مصر قاصدًا المهدية إلى بلاط يحيى بن تميم الصنهاجي الذي بارك وفادته ورحب به بعد أن ذاع صيته الذي أهله لدخول بلاط يحيى الصنهاجي حيث بقي يواصل إبداعاته العلمية والأدبية. كما أن الأمراء الصنهاجيين أوفدوه في سفارة للبلاط الفاطمي، سنة 510 في محاولة منهم لإعادة العلاقات مع الفاطميين في مصر، وكان من مهام هذا الوفد السفير بعث العلاقات التي انقطعت في عهد المعز الصنهاجي، وبعثها ولده تميم.
وفاة أمية أبي الصلت:
قضى أبو الصلت في بلاط المهدية نيفًا وثلاثًا وعشرين سنة، بين أمراء قدروا علمه ووضعوه في المنزلة التي يستحق، وبعد أن اشتد عليه المرض وأدرك دنو الأجل كتب قصيدة يوصي فيها ابنه عبد العزيز (الذي حمل اسم جده) ذكر منها في الخريدة أربعة أبيات هي:
عبد العزيز خليفتي
أنا قد عهدت إليك ما ... تدريه فاحفظ فيه عهدي
ولئن عملت به فإنك ... لا تزال حليف رشدِ
ولئن نكثت فقد ضللت ... وقد نصحتك حسب جهدي
وآخر قصائده هي هذه القصيدة ومنها: ... بأني إلى دار البقاء أصير
سكنتك يا دار الفناء مصدقًا
وأعظم ما في الأمر أني صائرٌ ... إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
فيا ليت شعري كيف ألقاه بعدها ... وزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزيًا بذنبي فإنني ... بِحرِّ عذاب المذنبين جدير