إن ما أراد ديكارت تبيانه فلسفيًا ليس البرهان على وجود الأنا، كما أنه بعيد عما اتُّهم به أحيانًا من قبل شراحه بأنه أراد استنتاج الوجود من الفكر. إن الكوجيتو الديكارتية ليست مقولة وجودية، بحيث تتيح البرهان على الوجود، ثم إن ديكارت لم يرد إثبات أنه يفكر كما ادعى آخرون، بل جل ما هناك أنه أراد الإشارة إلى أن كل تفكير يحتوي في كونه تفكيرًا على الاعتداد اليقيني بأن ما يقيمه من علاقة بين الوجود والفكر هو علاقة حقيقية وما يبحث عنه هو البرهان على حقيقة هذا الرباط برهانًا أكيدًا واضحًا وصادقًا لا يتخلله غش ولا يمكن أن يخدع. فوصل ديكارت إلى أن الربط بين الفكر والوجود قائم فعلًا من قبل الاعتداد بالحقيقة إذ أن الاعتداد بالحقيقة يعتدُّ بالإضافة إلى موضوع اعتداده أنه يمكن بحق أن يعتد، فهل لهذا البعد امتداد ربطٍ يصل به بالتفكير السينوي؟..
أرى أننا ندخل هنا باب المجازفة، ولا بأس بذلك إذا ما بقينا على حذر أي أننا لا نمد جسورًا تاريخية ولا نحمّل النصوص إلا ما نفهمه ناتجًا عنها.
ليس هناك مايحتم فهم التعقّل في نصوص ابن سينا وكأنَّ التعقل عملية إيجاد أو إبداع لما يُتَعقَّل. بل بإمكاننا ـ بعد أن نعي تمام الوعي بأن مثل هذا التفكير لم يكن ممكنًا إلا بعد ديكارت ـ بإمكاننا القول أن للربط بين الفكر والوجود في فهم ابن سينا للعقل كما في العلم الأكيد حقيقةُ علمٍ قوامها أن العقل يعقل أنه يعقل، أي أن قوام وجود العلاقة ومسوغها بين الفكر والوجود هو الوعي والوعي وحده، اللهمَّ إذا كنا نعمل في إطار فلسفي تكوّن فيه المقولة حول الوعي ووعي الذات نقطة بداية الفلسفة في حقبها الحديثة.
الحواشي:
(1) ـ مجلة Islamica 1927 ـ 3 ص 52-72.
(2) ـ الفن السادس من الطبيعيات من كتاب الشفاء، طبعه يان باكوش براغ 1956.ج. فورلاني الموضع المذكور ص 54-55 وقد قمنا بتحقيق النص بأنفسنا على مخطوطة أيا صوفيا 2403 ورقة 83 ب.