فهرس الكتاب

الصفحة 13051 من 23694

ثم انتقل إلى الحديث عن المستحدثات في هذا الميدان في المشرق، فذكر أن"لعامة بغداد أيضًا فنًا من الشعر يسمونه"المَواليا"وتحته فنون كثيرة يسمون منها"القوما"و"كان وكان"ومنه مفرد، ومنه في بيتين، ويسمونه"دوبيت"على الاختلافات المعتبرة عندهم في كل واحد منهم، وغالبها مزدوجة من أربعة أغصان. وتبعهم في ذلك أهل مصر القاهرة وأتوا فيها بالغرائب وتبحروا فيها في أساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضرية فجاؤوا بالعجائب" (ص 1352) . وذكر نماذج من ذلك.

وهكذا يبدو لنا ابن خلدون ملمًا بفنون الشعر قديمه ومستحدثه، متذوقًا إياه، مؤرخًا له، عالمًا بقواعده وأصوله، مستوعبًا بلاغته، رواية له وناظمًا بمقدار.

5-خاتمة:

هذا الذي قدمناه في الصفحات السابقة يلقي الضوء على جانب من جوانب علم ابن خلدون الموسوعي. لقد كتب في علوم اللسان وأرّخ لها، وكانت له فيها آراء جديرة بالتقدير. وثقافته الأدبية والدينية الواسعة وسمت بشدة نظراته الأدبية والنقدية التي أوردناها، وهي جميعًا تنم عن حِس لغوي سليم ومرهف، وتبصر في مسائل اللسان العربي وعلومه، وجرأة في التعبير عن الرأي، وتواضع نادر المثال، وحذر في الطرح، ويتوج ذلك كله عبقرية مدهشة، وأسلوب واضح سهل، وتعبير دقيق عن الحقائق، وقوة في التدليل، وترابط في الفكرة، ومنطق مُحكم في البرهان، وتُرسَلّ في الكتابة منافِ لما ساد في عصره من صنعة وتزويق، وأداء حسن متناسق.

وابن خلدون فيما سبق كله لم يدّعِ صنعة النقد ولا صنعة الأدب، بل أراد أن يقدم لنا ما بين يديه، لأن حَجْبَ العلم عن الراغبين فيه ليس من صفات العالم. وهذا النمط من أهل العلم مثال يحتذى، وأسوة حسنة.

المصادر:

1-ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، لجنة البيان العربي، القاهرة 1957، الطبعة الأولى.

2-ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، الجزء الثالث، لجنة البيان العربي، القاهرة 1960، الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت