أما نقطة الاقتراب من بحث ما نحن في صدده فلا تتطلب بالقسر حصر المنطلق أو الموقف الفلسفي العام الذي هو جزء منه أو ملتزم به، لأن لعلاقة الفلسفة الحديثة بمفهوم العقل عند ابن سينا بعدًا ينجم عن عدم اللجوء إلى التحديد أولًا وعن الإعراض عن الالتزام بمجموعة بنى فكرية، تكون منهجًا أحيانًا أو أيديولوجية أحيانًا أخرى ثانيًا. وهنا نلتزم بقناعة من أن جوهر المهمة التي للبحث العلمي هي رؤية للمغايرات والتناقضات والتكاملات وربط كل منها ما مضى ـ وقد مضى بمعطياته التاريخية والاجتماعية والمادية المحددة ـ بما هو قائم، أي بالتاريخية الحاضرة، ثم ربط كليهما بما سيكون أي بالكلية المتكاملة في التاريخ. فلسنا نلجأ إلى ما مضى لنبحث فيه عن حلول لما هو قائم، أو لنثبت إبداعًا كان أجدادنا سباقين إليه، بل نتوخى الرؤية العلمية الواضحة في كيفية كون ما سبق جزءًا لا ينزع عن الكلية التاريخية التي هي حضارتنا. وبمقدار ما يشكل الماضي والحاضر والمستقبل وحدة تتفاعل فيها جميع معطيات حضارة أو أمة تكوّن عملية الربط بين أجزاء هذه الوحدة الالتزام الأساسي للبحث العلمي.
من هنا يبدأ كلامنا في القسم الأول ولو بشيء من التبسيط: محاولات ربط بين الفلسفة الحديثة ومفهوم العقل عند ابن سينا قام بها أعلام أكفاء. أ ما في القسم الثاني فنحاول إيضاح نوعية علاقة جديدة مع ما طوره ابن سينا في مفهوم العقل حين جعل الوعي أساسًا للعقل.
القسم الأول:
ذكر بحاثة عديدون نصوصًا في مؤلفات ابن سينا رأوا فيها إشارات واضحة إلى مشاكل فلسفية حديثة لا بل وجد فيها بعضهم حلولًا لم تذكرها كتب تاريخ الفلسفة.
وكان أول من ربط مفهوم العقل في الفلسفة الحديثة وفلسفة ابن سينا العالم الإيطالي G.Furlani وذلك في مقال نشره عام 1927م في مجلة Islamica بعنوان: