الطبيب اللوذعي أبا بكر محمد بن زكريا الرازي (ت 313ه/925م) ، في كتابيه: الحاوي الكبير والمنصوري في الطب، في شرحه لعلاج الربو (داء نوبي تضيق فيه شعيبات الرئة ويعسُر التنفس) ، والشوصة (أو ذات الجنب أو البرسام) ، ورطوبة المعدة وانقلابها، والفُواق، واضطراب الأمعاء، وخفقان القلب، واليرقان، والأدوية المدرة للّبن، وفوائد اللبن الرائب ومَغْس (مغص) المرارة، ونفخ البطن، واختناق الرحم وميلانه، وقرحة المثانة، ووجع الظهر، والبواسير، والأدوية المُفتتة للحصى.
ونذكر كذلك الطبيب على بن العباس [بن] المجوسي (ت 384ه/994) ، الذي أشار إلى الهارونية وأهمية مؤلفها، وأبا القاسم الزهراوي الأندلسي (ت 404ه/1013م) في اقتباسات عديدة في كتابه التصريف لمن عجز عن التأليف، وأبا الريحان البيروني (ت 443ه/1051م) في كتابه الصيدلة في الطب، في ذكر مفردات طبية متعددة منها: أظفار الطيب، واللفاح، والخردل، وفلفل الماء. وخصي الثعلب، وخانق الذئب، والمازريون (نبات زيتون الأرض) (20) .
وقبل نشر الرسالة الهارونية (حوالي 191ه/808م) وبعدها، هناك ثلاثة عقود من السنين، وقد ملأت فراغ هذه الأعوام نهضة طبية ممهدة لظهور بني بختيشوع والطيفوري وعيسى أبي قريش، ويحيى بن ماسويه، والطبري، ومعاصريهم. وتعتبر رسالة الدمشقي مركز الثقل فيه بانطلاقات حضارية رفيعة وكشف متميز وعبقرية علمية فذة، فصارت تمهيدًا موفقًا لما تبعها من حضارة طبية مزدهرة في النُقول والترجمات المفيدة والهامة من اللغات الهندية والفارسية والسريانية وأهمها الإغريقية، إلى لغة الضاد، لغة القرآن الكريم، بجانب الخبرات والتقنيات المتوافرة بين سكان منطقة الهلال الخصيب والبلاد المصرية، أضف إلى ذلك التصانيف الأصيلة النافعة من نطاسيّي الأطباء ومشاهير الكُتاب العلماء، كحنين بن اسحق العِبادي ومدرسته، وثابت بن قُرّة، وغيرهما.