ولا أريد أن أتوسع في هذا الموضوع مكتفيًا أن أحيل إلى البحث القيم الذي خصصه الدكتور محمود نجم آبادي لتقويم منزلة ابن سينا الطبية (11) فقد تبين أن الشيخ الرئيس قد وصف في القانون تشريح جميع أعضاء البدن وصفًا صحيحًا جدًا، وأنه ذكر أقسام العظام والعضلات واحدًا واحدًا تمامًا كما هو معروف اليوم وإن معلومات الشيخ في علم الأمراض جدّ واسعة وكاملة وأنه أ وّل من ذكر ألم العصب ذي الشعب الثلاث وأنه ميّز بين التهاب المنصف الصدري أو الحزيم (mediastinitis) والتهاب البلورا (pleurisy) . واكتشف طبيعة السل المعدية وانتشار الأوبئة بالماء والأرض. وهو يرى أن زيادة استعمال الأدوية يمكن أن تنتج أخطارًا، وهو يؤمن بطريقة التقنين الغذائي أو الحِميَة. كما أنه كان يرى أن الرياضة أحد الأركان الهامة في السلامة. وقد وضح مختلف أنواع الرياضة للإنسان في مراحل العمر المتباينة كما وضح جيدًا أثر الرياضة في الوضع النفساني والحياة الروحية. وهو يرى أن أفضل مياه الشرب مياه العيون والينابيع. ويختتم الدكتور نجم آبادي بحثه قائلًا:"إذًا فنحن نرى أنه كانت لابن سينا... قبل ألف سنة، نظريات في معالجة بعض الأمراض وآراء لا تختلف عن النظريات الطبية العصرية". (ص241) .
وقد ذكرنا فيما سبق كيف يشير ابن سينا إلى طريقتين للوصول إلى معرفة قوى الأدوية وإدراجها في أحد الأمزجة: طريقة التجربة وطريقة القياس، وذكرنا الشروط السبعة التي يجب مراعاتها إذا أردنا الوصول إلى معرفة موثوق بها. ويعطي ابن سينا أمثلة على هذه الشرائط، شارحًا إياها مما يدلّ على أنه أجرى بنفسه هذه التجارب.
أما معرفة أمزجة الأدوية المفردة بالقياس فهي تؤخذ أولًا من سرعة استحالتها إلى النار والتسخين وبطء استحالتها، ومن سرعة جمودها، وبطء جمودها. ثانيًا: من الروائح. ثالثًا: من الطعوم. رابعًا:من الألوان. خامسًا:من أفعال وقوى.