يقول ابن سينا:"إنا إذا قلنا للدواء إنه معتدل فلسنا نعني بذلك معتدل على الحقيقة، فذلك غير ممكن، ولا أيضًا إنه معتدل بالاعتدال الإنساني في مزاجه وإلا لكان من جوهر الإنسان بعينه، ولكنا نعنى أنه إذا انفعل عن الحار الغريزي في بدن الإنسان فكيف بكيفيته، لم تكن تلك الكيفية خارجة عن كيفية الإنسان إلى طرف من طرق الخروج عن المساواة. فلا يؤثر فيه أثرًا ماثلًا من الاعتدال وكأنه معتدل بالقياس إلى فعله في بدن الإنسان."
وكذلك إذا قلنا أنه حار أو بارد فلسنا نعني أنه في جوهره بغاية الحرارة أو البرودة. ولا أن جوهره أحرمن بدن الإنسان أو أبرد.... ولكنا نعنى به أنه يحدث منه في بدن الإنسان حرارة أو برودة فوق اللتين له، ولهذا قد يكون الدواء باردًا بالقياس إلى بدن الإنسان حارًا بالقياس إلى بدن العقرب وحارًا بالقياس إلى بدن الإنسان باردًا بالقياس إلى بطن الحية، بل قد يكون دواء واحد أيضًا حارًا بالقياس إلى بدن زيد فوق كونه حارًا بالقياس إلى بدن عمرو. ولهذا يؤمر المعالجون بأن لا يقيموا على دواء واحد في تبديل المزاج إذا لم ينجح" (القانون طبعه بولاق ـ ج1 ـ(ص 8-9) ."
وقد يقول قائل: إن نظرية ابن سينا الخاصة بتكوين الجسم الإنساني وأعضائه ومعالجة أمراضه مبنية على أصول هي من وجهة العلم الحديث خاطئة كل الخطأ. وإذن، ليس هناك أية فائدة من هذا التراث الطبي القديم الذي دخل نهائيًا في ذمة التاريخ.
وإني لأُقِرُّ ببساطة أني لا أميل إلى موقف قاطع مثل هذا، فالذي يُطلب إلى الطبيب هو أن يشخص المرض ويعالج المريض فيشفيه.
وهذا ماكان يفعله كبار الأطباء القدامى مثل الرازي وابن سينا. فلابد من أن نجزم إذن بأنه كان في علمهم وخبرتهم ما ضمن نجاح ممارستهم للطب. وإني أعتقد إننا نستطيع حتى اليوم أن نجد في بعض صفحات من القانون ما يساعدنا في معالجة بعض الأمراض.