فقد ثبت لديه أن الأخبار في هذا المجال هي مظنة للكذب ومطية للحذر ولا بد من ردها للأصول وعرضها على القواعد. وأهم الأمثلة التي ناقشها وبين خطأها هو ما نقله المسعودي (مؤرخ عربي) وكثير من المؤرخين أن موسى عليه السلام قام بإحصاء جيوش بني إسرائيل بالتيه بعد أن أبعد من عمرهم دون العشرين فوصل العدد إلى ستمائة ألف. وقد فند ابن خلدون هذا الخبر اعتمادًا على الأصول العلمية والمشاهدات الحالية، مقدمًا الأدلة والقرائن المقنعة وأبرز ما استند إليه في هذا الصدد هو المفهوم الديموغرافي.
وقد عالج ابن خلدون هذا الجانب بالتفصيل وبين ما يلي:
1-لا يتلاءم هذا العدد مع الرقعة في الأرض التي وجد عليها وتشهد بذلك العوائد المعروفة والأصول المألوفة.
2-يندر أن يقع بين هذه الجيوش الكبيرة زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها وبعدها عن مدى البصر مرتين أو ثلاث مرات فكيف يقتتل هذان الفريقان أن تكون غلبة أحد الصفين وشيء من جوانبه لا يشعر بالآخر مقررًا القاعدة التالية (والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء) .
3-يوضح ابن خلدون حسب ما ثبت له من الروايات التي ذكرها المحققون أن عدد الجد إسرائيل مع ولده حين دخلوا إلى مصر وأتوا إلى يوسف هم سبعون نفسًا. وكان مقامهم في مصر إلى أن خرجوا مع يوسف إلى التيه بلغ نحو 220 عامًا تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة. ويبعد أن يتشعب النسل إلى هذا العدد.
4-ويشير ابن خلدون أيضًا إلى المؤرخين إذا زعموا أن تلك الجيوش الكبيرة في زمن سليمان وأن بين سليمان وإسرائيل أحد عشر أبًا فإن النسل لا يتشعب في أحد عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموه إلا إلى المئات والآلاف وأما أن يتجاوز إلى ما بعدها من عقود الأعداد فبعيد. وإذا نظرنا إلى الحاضر المشاهد والقريب المعروف نجد زعمهم باطلًا.